= انظر إلى ما تنشره سلطة بورتسودان والتمجيد الأعمى لغناء القونات، وشعر تنابلة السلطان
= الحرب والقمع والاستعلاء، يعيقون الثقافة الجادة التي تحترم العقل والوجدان
= السودانيين مغرمون بالشعر السياسي، أو الذي يمجد الوطن وينادي بالحرية والسلام
= لا أظن أن الذكاء الصناعي قادر على تقديم مبدع في قامة خليل فرح
= لم يفشل المثقف الملتزم في أداء دوره الأخلاقي ودافع عن سودان متنوع ومتعدد الثقافات
—
يُعدّ البروفيسور محمد المهدي بشرى من الأصوات السودانية المهتمة بالنقد الأدبي وقضايا الثقافة والإبداع، وله إسهامات في قراءة تحولات الأدب السوداني وصلته بالهوية الوطنية والحراك الاجتماعي والسياسي. ومن خلال اهتمامه بتاريخ الثورات السودانية ودور الشعر في التعبير عن تطلعات الشعب إلى الحرية والسلام، يقدم رؤية تربط الثقافة بأسئلة الواقع ومسؤولية المثقف تجاه مجتمعه.
في هذا الحوار الذي يقدمه ملف الهدف الثقافي بمناسبة الذكرى السنوية لثورة أكتوبر، نتوقف معه عند دور المثقف السوداني في زمن الحرب والشتات، وموقع الأدب في مقاومة الاستبداد وخطاب الكراهية، وحدود تأثير الذكاء الاصطناعي في الإبداع الإنساني. كما يستعيد دلالات ثورتي أكتوبر وديسمبر، ويقرأ ملامح الحراك الثقافي الجديد الذي يصنعه المبدعون السودانيون في الداخل والخارج، بما في ذلك نشاطهم في مصر.
—
#أنتج شتات آلاف المثقفين السودانيين حراكاً ثقافياً جديداً، فهل نجح المثقف في تحويل محنته إلى مشروع إبداعي ومعرفي؟
نعم، أنتج هذا الشتات حراكاً ثقافياً، وهذا أمر متوقع؛ فالكلمة أقوى من كل بندقية. وعلى مر التاريخ، كان للكلمة دورها المؤثر. فمنذ ثورة أكتوبر 1964 وحتى ثورة ديسمبر 2019، كانت الكلمة سلاح الثوار، فسقط الحكام والطغاة رغم ما امتلكوه من أسلحة.
وما يزال الشعب السوداني يغني أناشيد أكتوبر التي أبدعتها كوكبة من الشعراء، في مقدمتهم صلاح أحمد إبراهيم ومحمد المكي إبراهيم، ثم جاء عمالقة القصيدة العامية، فازدان الغناء الوطني بشعر محجوب شريف والقدال وأزهري محمد علي. لقد كان هذا الشعر، وهذا الإبداع، سلاح الثورة والثوار.
#هل نحن أمام تحول في أدوات إنتاج الأدب بعد دخول الذكاء الصناعي عوالم الكتابة والسرد أم ثمة تغيير أعمق في مفهوم الكاتب والموهبة والخيال نفسه وهل يمكن لآلة أن تكتب نصاً يحمل روحاً سودانية حقيقية؟
لم يتغير السرد، ولم يتغير الإنسان. الذكاء الاصطناعي مجرد أداة، وليس بديلاً عن العقل الإنساني؛ فهو مساعد لهذا العقل، لأن الإنسان هو الذي يوجّه الذكاء الاصطناعي، وليس العكس.
هل يستطيع هذا الذكاء أن يقدم لنا مبدعاً في قامة خليل فرح، أو أغنية في ثراء «عزة في هواك»؟ لا أظن.
#ماذا تغيّر في وظيفة الأدب السوداني بين محطات مقاومة الاستعمار ومواجهة الأنظمة العسكرية وحاليا الحرب التي تهدد نسيجه الاجتماعي؟
نعم، المقاومة مستمرة طوال تاريخ السودان القديم والحديث. انظر إلى ما كُتب من شعر ضد الحكم التركي، وما قيل في مقاومة الاستعمار؛ فقد ظل المبدع عموماً، والشاعر على وجه الخصوص، حاضراً دائماً في الصفوف الأمامية لمقاومة الظلم والطغيان.
وكما قال الناقد محمد محمد علي، فإن السودانيين مغرمون بالشعر السياسي، أو الشعر الذي يتغنى بأمجاد الوطن وينادي بالحرية والسلام.
#كيف تقرأ الزخم الإبداعي في ثورة 21 أكتوبر من شعر وغناء وقصة ومسرح وفن التشكيلي في التعبير عن روحها؟
حقاً، كانت ثورة أكتوبر لحظة استثنائية. وكثيراً ما أتساءل: لماذا ظلت ذكراها باقية في الوجدان السوداني حتى يومنا هذا؟ ربما لأن ثورة أكتوبر جاءت بعد فترة طويلة من التحركات الوطنية، كانت من أبرز محطاتها انتفاضة 1924، أو انتفاضة اللواء الأبيض؛ أي قبل أكثر من أربعين عاماً من ثورة أكتوبر.
كانت أكتوبر ثورة الشعب وثورة المدن، وهي تختلف عن ثورة ديسمبر 2019، التي انطلقت شرارتها خارج المركز، أو الخرطوم. وكانت ديسمبر ثورة النساء والعمال والزراع والشباب، ثورة الشعب السوداني بكل فئاته، ومن الصعب على شخص أو حزب أو مدينة أو جماعة أن يدعي أنه صاحب القدح المعلى فيها.
لكن أكتوبر ظلت، في تقديري، من أكثر الثورات حضوراً وتألقاً في الوجدان السوداني، وكذلك كان مستوى الإبداع فيها، والشعر خاصة؛ فقد ظل الشعر الأقوى والأكثر تأثيراً لأكثر من نصف قرن.
#هل فشل المثقف السوداني في أداء دوره الأخلاقي في ظل تصاعد خطاب الكراهية والعنصرية والقبلية والجهوية؟ وأين تنتهي حرية التعبير ويبدأ واجب المثقف في مقاومة خطاب يحوّل الاختلاف إلى عداوة والهوية إلى سلاح؟
المثقف الشاهد الصامت هو المثقف السلبي، لكن، بحمد الله، هناك المثقف العضوي الذي انحاز إلى قضايا شعبه، وهناك من قدم حياته ثمناً لإيمانه بالوطن.
فعلى مر التاريخ، قدم عبد القادر ود حبوبة نفسه فداءً للوطن في عام 1907، وفي عام 1924 قدم أبطال أرواحهم فداءً له، كما قدم أبطال حركة يوليو 1971 من المدنيين أنفسهم فداءً للوطن، وفي عام 1985 قدم المفكر محمود محمد طه حياته.
لم يفشل المثقف الملتزم في أداء دوره الأخلاقي؛ فقد كان هذا المثقف في طليعة الركب، دفاعاً عن سودان متنوع ومتعدد الثقافات.
#بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، هل نستطيع أن نشير إلى فعل ثقافي حقيقي أسهم في مقاومة الحرب أو تفكيك خطابها، أم أن معظم ما أنجزه المثقفون لم يتجاوز البيانات والندوات والمنشورات؟ وهل تملك الثقافة السودانية أصلاً أدوات ضغط حقيقية على صانعي القرار؟
الحرب والقمع والاستعلاء، كل ذلك يعيق الثقافة الجادة التي تحترم العقل والوجدان. ودونك ما تنشره سلطة بورتسودان من غناء ومحتوى أراه بعيداً عن قضايا الثقافة الجادة. انظر إلى هذا التمجيد الأعمى لغناء القونات، وإلى شعر تنابلة السلطان.
ولم تكلف الدولة نفسها عناء أن تنعى، ولو بكلمة من وزير الثقافة، واحداً من أهم رموز الاستنارة والوعي في عصرنا هذا، المفكر الشجاع حيدر إبراهيم علي.
#برز خلال السنوات الأخيرة جيل شاب، وبصورة لافتة أصوات نسائية جديدة، في القصة والرواية والكتابة الرقمية. هل نحن أمام قطيعة جمالية مع الأجيال السابقة، أم مجرد إعادة إنتاج لأسئلة قديمة بلغة جديدة؟ وما الذي ينقص هذا الجيل كي يتحول حضوره إلى ظاهرة أدبية حقيقية؟
بطبيعة الحال، حواء السودانية لم تعقم، وما زال المبدع والكاتب السوداني يؤكد وجوده. انظر إلى تفوق المبدعين في مجالات الرواية والقصة والفن التشكيلي، داخل السودان وخارجه.
وانظر كذلك إلى هذا العطاء الوافر، وإلى كثرة المؤلفات في شتى مجالات المعرفة، داخل مصر وخارجها. وأنت متابع جيد لهذا التدفق المتواصل في التأليف والنشر، الذي يمثل إنتاجاً جديداً في لغته وأسلوبه ومضمونه.

Leave a Reply