انتفاضة أكتوبر وسؤال الديمقراطية المؤجل

صحيفة الهدف

محمد عثمان أبوشوك
إن الاحتفال بانتفاضة 21 أكتوبر 1964، في ضوء الأوضاع المأساوية التي تعيشها بلادنا، يعيد إلى الأذهان طرح السؤال الأبدي المعلّق: لماذا ينجح الشعب السوداني دائماً في الإطاحة بالأنظمة الدكتاتورية، مهما بلغت من قوة وجبروت، لكنه لا يتمكن من تحقيق الأهداف العظيمة التي توخّاها من انتفاضته؟
إن الإجابة عن هذا السؤال بكل أبعاده تلخّص، بشكل دقيق، معنى الأزمة الوطنية الشاملة التي تعيشها بلادنا منذ استقلالها في يناير 1956 وحتى اليوم. وقد تختلف الإجابات باختلاف من يجيب عن السؤال ومنطلقاته، غير أن جميع الإجابات الممكنة تقود مباشرة إلى حقيقة واحدة لا يمكن تجاهلها، وهي أن الشعب السوداني مفطور على التعلّق بالحكم المدني الديمقراطي ورفض كل أشكال الدكتاتورية، مهما تسربلت بشعارات تخاطب وجدانه وعواطفه، لكنها تعجز عن تنزيل هذه الشعارات على أرض الواقع في شكل إنجازات ملموسة. والأكثر من ذلك أن هذه الشعارات تظل مجرد هتافات يرددها أنصار الدكتاتوريات، من دون أن يمتلكوا الأدوات والبرامج المناسبة لتحويلها إلى واقع يحقق تطلعات جماهير الشعب.
ولعل الإجابة المنطقية المقنعة عن هذا السؤال تتمثل في أن انتفاضات الشعب السوداني ضد مختلف الدكتاتوريات كانت استجابات عفوية لتراكم نضالي قادته النخب السياسية بأدوات فوقية، مثل المنشورات والمظاهرات والإضرابات المطلبية، من دون أن تقترن هذه الأدوات بما يليها من أدوات تنظيمية تستهدف بناء أوعية تنظيمية مناسبة لتأطير جماهير الشعب في منظمات شعبية على مستوى الأحياء في المدن والقرى ومواقع العمل، لقيادة نضال الجماهير من أجل تحقيق أهداف الانتفاضة والدفاع عن منجزاتها في مواجهة مخططات القوى المصطفّة مع الأنظمة الدكتاتورية.
هذه الإجابة، دون الخوض في تفاصيلها، تقودنا مباشرة إلى الدور الذي لعبته النخب السياسية في انتفاضات الشعب السوداني. وهو دور، على الرغم من عظمته والتضحيات التي صاحبته، يثير تساؤلات مشروعة حول فهم هذه النخب للعوامل الموضوعية والذاتية اللازمة لنجاح الانتفاضة، وضمان استمراريتها، والدفاع عن إنجازاتها، بما فيها النظام المدني الديمقراطي الذي أفرزته.
ذلك أن الواقع الذي أفرزته انتفاضات الشعب السوداني، بما فيها انتفاضة ديسمبر 2018، يؤشر بوضوح إلى خلل بنيوي صاحب هذه الانتفاضات، وأسهم، إلى جانب أسباب أخرى، في فشلها في تحقيق أهدافها والدفاع عن الأنظمة المدنية التي أفرزتها. ويتمثل هذا الخلل في الفجوة الواسعة بين النخب السياسية والجماهير، التي تتسع مباشرة بعد الانتصار الأول للانتفاضة واقتلاع النظام الدكتاتوري. وتتجسد هذه الفجوة بوضوح في الآتي:
عزلة النخب السياسية عن الجماهير: إذ تكتفي هذه النخب بمخاطبة جماهير الشعب عبر وسائل فوقية، بدلاً من بناء صلات تنظيمية مباشرة معها.
إهمال التنظيم الشعبي: تنصرف النخب عن تأطير الجماهير في تنظيمات شعبية على مستوى الأحياء في المدن والقرى، وقطاعات الإنتاج المختلفة، والجامعات والمعاهد، بما يتيح حشد الجماهير وتنظيم نضالها والاستماع إلى آرائها ومقترحاتها ومطالبها. بل إن هذه النخب لم تتورع عن محاولة اختطاف مبادرات الجماهير في هذا الاتجاه وتوظيفها لمصالحها الذاتية، كما حدث في تجربة لجان المقاومة بعد انتفاضة ديسمبر 2018.
الانغماس في الصراعات السياسية: غرقت النخب في جدال لا ينتهي حول قضايا كثيرة، من دون التمييز بين قضايا المرحلة التي تعبّر عن طموحات الشعب بمختلف قطاعاته، وبين طموحاتها بعيدة المدى بوصفها نخباً سياسية تختلف في رؤاها الفكرية والسياسية. وأدى ذلك إلى صراعات لا مصلحة للجماهير فيها، بل أصبحت، وما تزال، عوامل لتفتيت الوحدة التي صنعتها جماهير الشعب خلال نضالها ضد الأنظمة الدكتاتورية.
إفراغ أهداف الانتفاضة من مضمونها: حتى الأهداف المتفق عليها بين الجميع كانت تحتاج إلى تجذيرها وتنزيلها في شكل برامج واضحة، بما يقتضي تنظيم الجماهير للدفاع عنها وفرض تحقيقها. غير أن النخب اختارت، بدلاً من ذلك، الانعزال عن جماهير الانتفاضة وتقمّص دورها عبر التفاوض فيما بينها، وكأنها تمثل الجماهير وحدها. وهكذا عزلت نفسها عن الشعب، وحوّلت شعارات الانتفاضة وأهدافها إلى مفاهيم واسعة وغامضة، قابلة لتفسيرات متناقضة، مما سهّل على القوى المضادة للانتفاضة إفراغها من محتواها الحقيقي، بل واستخدامها ضد قوى الانتفاضة في كثير من الأحوال.
لقد حوّل هذا الخلل البنيوي النخب السياسية من قوى طليعية تناضل مع الجماهير إلى نخب تطمح إلى وراثة الدكتاتورية التي اقتلعتها انتفاضة الشعب.
كما أن الخلط بين أهداف المرحلة والأهداف الاستراتيجية للنخب السياسية دفع هذه النخب إلى محاولة فرض أهدافها الاستراتيجية على الشعب والنظام السياسي الوليد، من دون تفويض شعبي أو ثوري، وهو أمر يقود بالضرورة إلى التساؤل عن مشروعية هذه الأهداف ومدى تلبيتها لتطلعات الشعب في أعقاب الانتفاضة.
إن الإصرار على فترات انتقالية طويلة يعكس، بوضوح، نزوع بعض النخب السياسية إلى حكم البلاد من دون تفويض شعبي عبر انتخابات تشريعية، سعياً إلى تحقيق أهداف استراتيجية تخصها، ولم تصبح بالضرورة أهدافاً اقتنعت بها جماهير الشعب بما يكفي لانتخاب من يتبنونها إلى مواقع التشريع والتنفيذ.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.