طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
في تاريخ الشعوب، ثوراتٌ تسقط أنظمة، وثوراتٌ تترك لغةً جديدة لفهم الحرية. وثورة أكتوبر 1964 في السودان تنتمي إلى النوعين؛ فقد أسقطت حكم الفريق عبود، وخلّفت تراثاً شعرياً وغنائياً جعلها أكثر من واقعة تاريخية. الشعر لم يصنع أكتوبر وحده، بل صنعها طلاب خرجوا من الجامعة، ومهنيون ونقابيون وجماهير حوّلوا الاحتجاج إلى إضراب وعصيان مدني. أما الشعر، فقد منح التجربة صوتها الذي بقي. هنا تكمن العلاقة بين الثورة والثقافة: الفعل يغيّر الواقع، والثقافة تمنحه لغةً تحفظ معناه وتفتح إمكان استعادته.
لم تبدأ أكتوبر من فراغ. جاءت في ظل حكم عسكري منذ 1958، وأزمات سياسية واجتماعية، من بينها قضية جنوب السودان التي كانت موضوعاً لندوة طلابية في 21 أكتوبر 1964. عندما تدخلت الشرطة وأطلقت النار، قُتل الطالب أحمد القرشي. تحوّل مقتله إلى لحظة فارقة: اتسعت الاحتجاجات، وخرجت الجماهير في التشييع، وتتابعت التحركات حتى الإضراب العام الذي أسقط عبود.
أهمية الجامعة لم تكن في تخريج متعلمين فقط، بل في توفير فضاء للنقاش في الشأن العام، وتدريب العقل على السؤال. لكنها لم تصنع الثورة بمفردها؛ فقد اكتسب الاحتجاج قوته عندما التحمت به قطاعات أوسع. القرشي صار رمزاً لا لأن اغتياله اختصر الثورة، بل لأن المجتمع رأى في مقتله صورةً لحقه المصادَر في التعبير. هكذا انتقل الحدث من واقعة محددة إلى ذاكرة مشتركة.
لم يكن الشعر زينة لغوية، بل أحد أشكال التعبير عن التجربة وتسمية الآمال والخسارات. في الأكتوبريات، تتحول الثورة إلى صور وإيقاعات ورموز قابلة للحفظ والترديد.
في نشيد فضل الله محمد «أكتوبر واحد وعشرين»، يتجاوز الشاعر تحديد يوم في التقويم إلى استحضار لحظة جماعية استيقظت فيها الإرادة الشعبية. أما محمد المكي إبراهيم، ففي «نشيد الانتصار»، يقلب دلالة الأشياء: ينكسر حائط السجن، وتتحول القيود إلى صورة عرس. ليست هذه الصور زخرفة، إنها تنقل الحرية من الفكرة المجردة إلى تجربة يمكن تخيلها. فالسجن رمز للعجز، وانكسار حائطه إعلان تجاوز الخوف، والقيود التي تصبح عرساً تجسد انتقال الجماعة من القهر إلى الفرح.
قوة هذه الصور في قدرتها على جمع تجارب متفرقة في معنى واحد. قد يشارك إنسان في مظاهرة، وآخر في إضراب، وثالث يكتفي بالمتابعة، لكن القصيدة تمنحهم لغة مشتركة. هنا يكتسب الشعر وظيفته التاريخية: لا يحل محل الوثيقة، لكنه يحفظ حرارة التجربة وإحساس الناس بأنهم شركاء في صنع مصيرهم.
لنشيد «أصبح الصبح» مكانة خاصة، بصوت محمد وردي وكلمات محمد مفتاح الفيتوري. ارتبط بأكتوبر حتى غدا من رموزها، ثم استعادته أجيال لاحقة. دلالته تزداد عمقاً حين ندرك أن العمل الفني لا يعيش في سياقه الأول وحده؛ فقد ينتقل من ظرف إلى آخر ويكتسب معنى إضافياً. حين يردد الناس «أصبح الصبح»، فإنهم يستحضرون وعداً بالخلاص وإيماناً بأن الظلم ليس قدراً. هذه إحدى قدرات الثقافة: تعيد تشكيل المعنى دون محو الأصل، وتمنح العمل حياة تتجاوز لحظة إنتاجه.
لم تنتهِ علاقة السودانيين بالثورة بانقضاء أكتوبر. عادت الجماهير في مارس–أبريل 1985، ثم في ديسمبر 2018، لتواجه الاستبداد. وفي كل تجربة، ظهرت أشكال جديدة من التعبير، إلى جانب استدعاء الأغاني والرموز السابقة.
لا يعني ذلك أن ديسمبر كانت نسخة من أكتوبر. لكل تجربة سياقها وقواها وأسئلتها. لكن الذاكرة الثورية لا تعمل كقالب جامد؛ إنها رصيد رمزي تستلهم منه الأجيال ثم تعيد صياغته. ما ينتقل من أكتوبر ليس الكلمات نفسها، بل إمكان أن يرى الشعب نفسه فاعلاً في التاريخ، وأن الخوف ليس نهاية السياسة، وأن التغيير ممكن عندما يتحول الغضب الفردي إلى فعل جماعي منظم.
لم تكن أكتوبر جزيرة منفصلة عن محيطها العربي. تفاعلت التجربة السودانية مع أسئلة التحرر والكرامة والعدالة، لكنها تشكلت أيضاً من خصوصية السودان وتنوعه. من منظور الفكر القومي التحرري، تتيح أكتوبر قراءة للعلاقة بين الحرية الوطنية والتحرر العربي. فالقومية التي تستحق الدفاع ليست إنكاراً للخصوصيات، بل أفق للتضامن بين شعوب تسعى للتحرر من الاستبداد والهيمنة. والثقافة هي المجال الذي تتحاور فيه هذه القيم وتتجدد؛ فالقصيدة التي تتغنى بحرية السودان تلامس تطلعات شعوب أخرى، لأن الكرامة ورفض الاستبداد والحق في تقرير المصير قيم تتجاوز الحدود. هنا لا يكون البعد القومي بديلاً عن الوطنية، ولا الوطنية انكفاءً على الذات.
في الذكرى الثانية والستين لأكتوبر، لا يكفي استعادة الأسماء أو ترديد الأناشيد. الوفاء الحقيقي يبدأ حين نحول الذاكرة إلى سؤال عن حاضرنا: لماذا بقيت الحرية حلماً متجدداً، ولم تحصّن التجربة السودانية انتقالها الديمقراطي من الانتكاسات؟ لقد علمتنا أكتوبر أن الوعي يمكن أن يخرج من الجامعة إلى الشارع، وأن الكلمة تمنح الفعل معنى يبقى. لكنها تعلمنا أيضاً أن إسقاط الاستبداد ليس نهاية الطريق؛ فصناعة الذاكرة أسهل من بناء المؤسسات، واستعادة النشيد أيسر من ضمان شروط الحرية.
والشعر، مهما بلغت قوته، لا يغني عن التنظيم ولا يعوض غياب المؤسسات. لكنه يذكّر الإنسان بما يمكن أن يكون، ويمنحه لغة يقاوم بها النسيان. واليوم، والسودان يواجه حرباً مدمرة، يصبح استدعاء أكتوبر دعوة إلى استعادة الفعل الوطني الجامع، ووقف الحرب، وفتح الطريق أمام دولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة والحرية والعدالة.
لقد صنع السودانيون في أكتوبر حدثاً سياسياً، وصنع شعراؤهم له ذاكرة عصية على المحو. أما مسؤولية الأجيال الحاضرة، فهي أن تجعل تلك الذاكرة قوة لبناء المستقبل، لا ملاذاً من أسئلته.

Leave a Reply