*خلل في وثيقة الشهادة السودانية*

صحيفة الهدف

قلم: ماجد الغوث

بعد معاناة طويلة للطلاب والطالبات وأسرهم في استخراج شهاداتهم الثانوية، رحلة بدأت من قاعات الامتحان في ظروف الحرب والتنقل بين الولايات، مرورا بالانتظار الطويل للنتيجة، وانتهاء بطوابير أم درمان أمام إدارة الامتحانات ودفع الرسوم والذهاب والإياب، بعد كل هذا العناء استلم الطالب ورقته فرحا، لكن الفرحة لم تكتمل، فالاسم صحيح والدرجات صحيحة لكن الوثيقة نفسها فيها خلل، ثلاثة أخطاء في ورقة واحدة، والأخطاء ليست في الدرجات بل في هوية الورقة نفسها، وهنا تبدأ القصة. الملاحظات لا تحتاج خبير لغوي، تحتاج قارئ عادي فقط. الخلل الأول: وزارة بلا اسم ثابت، في أعلى الورقة ترويسة مطبوعة تقول وزارة التربية والتعليم، وفي أسفل الورقة نفسها ختم رسمي بارز يقول وزارة التعليم والتربية الوطنية، نفس الوثيقة، نفس الصفحة، اسمين مختلفين، أيهما الاسم الرسمي للدولة؟ التربية قبل التعليم أم التعليم قبل التربية؟ الوطنية من أين جاءت؟ هذا ليس خلافا لفظيا، في علم الوثائق الأمنية أي اختلاف بين الترويسة والختم يعتبر علامة تزوير محتملة، السفارات حين تدقق الشهادة أول ما تفعله هو مطابقة الترويسة مع الختم، إذا لم يتطابقا تطلب خطاب صحة صدور، والطالب السوداني اليوم لا يحتمل تأخيرا جديدا. في العراق اسم الوزارة ثابت منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة وزارة التربية، لا يتغير في نفس الورقة، حتى في زمن الحرب والحصار وتغيير النظام بقي الاسم واحدا في الترويسة والختم، لأن اسم الوزارة هو توقيع الدولة، إذا تغير التوقيع مرتين في نفس الشيك فالشيك باطل. الخلل الثاني: من شهادة إلى استمارة، الوثيقة المعروفة منذ الاستقلال اسمها الشهادة السودانية أو الشهادة الثانوية، كلمة شهادة كلمة قوية، نهائية، لها حجية قانونية، تثبت أن فلانا أكمل مرحلة، في كل لوائح التعليم العالي في العالم يعرفون Secondary Certificate. هذا العام تحولت إلى استمارة نجاح في التعليم الثانوي، كلمة استمارة في قاموسنا الإداري السوداني معناها ورقة تملأ، استمارة تقديم، استمارة حصر، استمارة عهدة، ليست وثيقة نهائية، هي مجرد Form، حتى في المدارس نفسها كنا نقول استمارة الجلوس للامتحان، وبعد النتيجة نقول شهادة، فكيف نرجع من الشهادة إلى الاستمارة؟ التحول في اللغة هو تحول في القيمة، كأنك كنت تملك جواز سفر فحولته إلى إيصال استلام جواز، المعنى القانوني نزل درجة، والجامعات الخارجية دقيقة جدا في المصطلحات، في لائحة جامعة بغداد مثلا يطلبون أصل الشهادة الإعدادية، لا يقبلون بيان نجاح إلا كإجراء مؤقت، فماذا سيفعل موظف القبول حين يرى ورقة مكتوب عليها استمارة؟ الخلل الثالث: الترجمة التي تغير المعنى، وهذا أخطرها، في أسفل الوثيقة الترجمة الإنجليزية مكتوبة Statement of Success، وكلمة Statement في الإنجليزية الأكاديمية معناها بيان أو كشف مؤقت، في بريطانيا يعطونك Statement of Results قبل صدور Certificate النهائي، في أمريكا Transcript هو البيان، أما الشهادة فهي Certificate. الترجمة الصحيحة المتعارف عليها في اليونسكو وفي كل مكاتب التقويم العالمية مثل WES و Dataflow هي Sudan Secondary School Certificate أو General Secondary Education Certificate، عندما تكتب Statement فأنت تقول للعالم هذه ليست شهادة، هذا مجرد بيان، والنتيجة أن الطالب يذهب للتوثيق في الخارجية فيقولون له هذه إفادة وليست شهادة، ويذهب للسفارة السعودية لعمل إجراءات القبول فيطلبون منه خطاب توضيح، ويذهب للتقديم لمنحة تركية فيرفضه النظام الإلكتروني لأنه يطلب نوع الوثيقة Certificate وليس Statement. وقد حدث فعلا، طالبان تواصلا معي، أحدهما قدم لجامعة في رواندا فقيل له هذه إفادة مؤقتة، وآخر قدم لمنحة في ماليزيا فطلبت منه الجامعة إحضار الأصل رغم أنه أحضر الأصل، لأنهم اعتبروا الأصل مجرد بيان. لماذا هذا مهم الآن بالذات؟ قد يقول قائل هذه تفاصيل صغيرة والوزارة تعمل في ظروف حرب، نقلت من الخرطوم إلى أم درمان، وفقدت أرشيفها، وتعمل بكادر محدود، وكلامه صحيح، ونحن نقدر أنها عقدت الامتحانات في زمن مستحيل، لكن لهذا السبب بالذات يجب أن تكون الوثيقة أدق، لأن الطالب السوداني اليوم ليس طالبا عاديا، هو نازح، لاجئ، فقد بيته ومدرسته، ووثيقته هي ما تبقى له ليبني مستقبله خارج السودان، إذا كانت هذه الوثيقة نفسها مهزوزة فأين يذهب؟ الشهادة في كل الدول هي عنوان الدولة، أنظر إلى شهادة الإعدادية العراقية، رغم كل الحروب التي مرت بها، شعار الدولة واضح، اسم الوزارة واحد، رقم امتحاني، باركود، ترجمة ثابتة، أنظر إلى الشهادة السعودية، نفس الشيء، لأنهم يعلمون أن الشهادة سفير صامت يمثل الدولة في كل مكتب قبول. المطلوب بسيط ولا يكلف شيئا، أولا توحيد اسم الوزارة في الترويسة والختم على صيغة واحدة معتمدة بقرار مجلس الوزراء وهي وزارة التربية والتعليم، ثانيا إعادة الاسم التاريخي الشهادة الثانوية السودانية بدلا من استمارة، ثالثا تصحيح الترجمة الإنجليزية إلى Secondary School Certificate، رابعا إضافة QR Code للتحقق الإلكتروني وخط ساخن للسفارات للتأكد، وخامسا إصدار تعميم عاجل من الوزارة والخارجية والملحقيات الثقافية يوضح أن الاستمارات الصادرة هذا العام هي شهادات نهائية ومعتمدة بنفس قوة الشهادة السابقة. إصلاح ورقة لا يحتاج مؤتمرا دوليا، يحتاج قرارا إداريا واحدا، وإذا صلحت الورقة صلحت ثقة العالم فينا، والثقة هي رأس مال السودان الوحيد المتبقي.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.