*أمجد السيد*
يحاصر الموت أهل السودان من كل حدب وصوب، وتتخطف أرواحهم مسيرات طرفي القتال في النيل الأزرق ونيالا وسوق النعام والقضارف والخرطوم. شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، يختلف القاتل والمقتول واحد مدني بريء، رجلاً كان أو امرأة، طفلاً أو كهلاً، لا ناقة له ولا جمل في هذه الحرب، لم يخترها يوماً، ولا يملك قرار استمرارها، ويتمنى لو انتهت اليوم قبل الغد.
خلف كل ضربة مسيرة حكاية وجع أسرة تفقد عائلها، وأم تبكي ابنها، وطفل يُحرم من أبويه، ومواطن يفقد بيته ومصدر رزقه، وآخرون يفرون من الموت ليواجهوا الجوع والنزوح والخوف من المجهول. لم يعد للسودانيين مكان يطمئنون فيه إلى سلامتهم، ولا ضمانة تحميهم من حرب امتدت نيرانها إلى تفاصيل حياتهم اليومية.
وما يزيد هذه المأساة قسوة أن المدنيين يتحولون إلى ضحايا في خطاب طرفي الحرب أيضاً فكل طرف يدين ما يفعله خصمه، بينما تظل حياة المواطن ودمه وحقه في الأمان هي الخاسر الأكبر. إن دماء السودانيين لا تتجزأ، ولا تصبح حياة المدني أقل قيمة لأنه يسكن منطقة يسيطر عليها هذا الطرف أو ذاك. حماية المدنيين واجب على الجميع، ولا يجوز تبرير قتلهم أو تعريض حياتهم للخطر بحجة تحقيق أهداف عسكرية أو الانتصار على الطرف الآخر.
ما أقف أمامه حائراً هو كيف يمكن لإنسان أن يرى كل هذه الدماء ولا يعمل على وقف هذه الحرب بكل طاقته؟ كيف يشجع أحدهم استمرار القتال ولو ليوم واحد، وهو آمن في بيته لا تصيبه نيرانها؟ أي جنون هذا الذي يجعل أرواح الناس ثمناً لحسابات السلطة والنفوذ؟ وأي مصلحة يمكن أن تعلو على حق شعب كامل في الحياة والأمان؟
*المطلوب وقف الحرب الآن، دون لف ودوران، ودون حذلقة ومناورات لكسب الوقت.* المطلوب وقف فوري للهجمات التي تستهدف المدنيين، ووقف استخدام المسيرات بصورة عشوائية تعرض حياتهم للخطر، ووقف تدفق السلاح الذي يغذي الحرب ويطيل أمدها. والمطلوب كذلك توثيق الانتهاكات والتحقيق المستقل فيها، ومحاسبة المسؤولين عنها أياً كانوا، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المحاصرين والنازحين والمحتاجين.
وعلى القوى الإقليمية والدولية التي تملك القدرة على التأثير في طرفي القتال أن تتجاوز بيانات القلق والإدانة، وتمارس ضغطاً فعلياً من أجل وقف شامل ومستدام لإطلاق النار، وتدعم مساراً سياسياً ينهي الحرب، بدلاً من ترك السودانيين لمزيد من القتل والدمار والتشرد.
هذه المطالب واضحة وممكنة، ولا ينبغي أن يعوقها أحد تحت أي ذريعة. فهذه حرب سقطت شعاراتها أمام حصيلة الموت والخراب؛ فرطت في سيادة البلاد، ومرغت كرامة أهلها في التراب، وسلبتهم أرواح أحبائهم، وأفقرتهم، وشتت أسرهم، ودمرت مقومات حياتهم. ولم يعد مقبولاً أن يُطلب من الشعب مزيد من الصبر، بينما تستمر آلة الحرب في حصد أرواحه وتبديد مستقبله.
آن لهذه المقتلة أن تنتهي، ولأهل السودان أن يستعيدوا حقهم في الحياة والحرية والكرامة، وأن يعود النازحون واللاجئون إلى ديارهم، وأن تُبنى الدولة على أسس وطنية تحفظ حقوق الجميع، بعيداً عن السلاح والوصاية والاستبداد.
*أوقفوا الحرب الآن، لا غداً. أوقفوا تدفق السلاح، احموا المدنيين، وحاسبوا المسؤولين عن الجرائم. لا هدنة لكسب الوقت، ولا مناورات لإطالة أمد القتال؛ المطلوب وقف شامل ومستدام لإطلاق النار، وسلام دائم ينهي هذه المأساة. فالسودان ليس ملكاً لطرفي الحرب، وشعبه ليس وقوداً لمعركة لم يخترها آن للسودانيين أن يعيشوا لا أن يموتوا من أجل حرب هم لم يختاروها.*

Leave a Reply