نادر رشاد
لم تكن ثورة الحادي والعشرين من أكتوبر 1964 مجرد صفحة مطوية في تاريخ السودان الحديث، بل شكّلت النواة الأولى للوعي النضالي السوداني، ونموذجًا ملهمًا أثبت للعالم أن إرادة الشعوب قادرة على دكّ أعتى القلاع العسكرية الشمولية.
في تلك الأيام، تنفس السودانيون الصعداء وهم يقتلعون نظام “الفريق إبراهيم عبود” بصدور عارية وهتافات هزت أركان الاستبداد، ليدشنوا عهدًا أصبحت فيه “أكتوبر” تميمة الحرية الخالدة.
وقد يتعطل قطار الديمقراطية، لكن قضبانه تظل راسخة في وجدان الأمة.
واليوم يمر السودان بمنعطف هو الأخطر في تاريخه المعاصر، حيث ارتدّت أطماع السلطة حربًا مدمرة أحرقت الأخضر واليابس، أشعلت نارها تحالفات ثم صراعات فلول النظام البائد وحلفائهم وربيبتهم مليشيا الدعم السريع، في محاولة بائسة لإعادة إنتاج عهود القهر.
وهنا تحديدًا، تتجلى قيمة “أكتوبر” لا كذكرى للاحتفال، بل كطاقة صمود واستدعاء للأمل. إن الأحلام التي حملها جيل أكتوبر هي ذاتها التي يتمسك بها السودانيون اليوم وسط أزيز الرصاص: حلم بنهاية هذه الحرب، وعودة النازحين واللاجئين، وبناء وطن خالٍ من السلاح.
إن تمجيد أكتوبر هو تمجيد للذات السودانية الثائرة التي لا تقبل الضيم، ولا تستكين للبندقية عندما تحاول خنق الحريات. ومن أكتوبر 1964، مرورًا بأبريل 1985، وصولًا إلى ديسمبر 2018، يثبت التاريخ أن الشعب السوداني يمتلك إرثًا نضاليًا فريدًا، فكلما ظن نظام شمولي أنه أحكم قبضته، فاجأته الشوارع بزلزال شعبي يعيد العسكر إلى ثكناتهم والدولة إلى مسارها المدني. لقد علمتنا أكتوبر أن الاحتكام يجب أن يكون لصوت العقل وصناديق الاقتراع، من أجل التنمية والبناء.
إن الارتباط الشرطي بين أكتوبر والديمقراطية يؤكد بوضوح أنه لا استقرار للسودان خارج إطار الحكم المدني. ودماء شهداء الوطن، من “القرشي” إلى آخر ثائر، تنادينا اليوم ألا نملّ الحلم. فنهاية الحرب ليست مجرد صمت للبنادق، بل هي خطوة البداية لاستعادة المسار الديمقراطي وبناء دولة المؤسسات والعدالة والمواطنة.
ستبقى أكتوبر الفكرة، والفكرة لا تموت، ومن صنع فجر 1964 قادر على صياغة فجر الخلاص القادم.

Leave a Reply