إسماعيل السيد أحمد
تجلّت براعة الاستهلال في القصيدة الغنائية «فراش القاش»، التي تغنّى بها الفنان البديع زيدان إبراهيم، في السؤال المشوّق الذي طرحه الشاعر عبد الوهاب هلاوي: «مين علمك يا فراش؟». إنه سؤال تفكيري يفتح أبواب التأمل، ويستدعي إجابات تتجاوز المعنى المباشر إلى فضاءات أرحب من الخيال والدلالة.
تناسلت من هذا السؤال أسئلة أخرى، منها ما يبحث عن أسباب عبادة الفراش لعيون القاش، ومنها ما يستفسر عن دوافع هجر النهر له وتركه وحيداً بين قيظ الصيف وحيرة القيف:
«مين علمك يا فراش تعبد عيون القاش؟»
و«بالله ليه يا فراش خلاك وراح القاش؟».
كما ربطت الأغنية بين عشق الفراش لعيون القاش ومظاهر الطبيعة المحيطة به، من خضرة الضفة وهمس النسيم إلى حمرة الوردة وحبات الندى المتلألئة. وهكذا تتشكل لوحة رومانسية تجمع بين الطبيعة والعاطفة، وتستحضر الشوق والفراق والانتظار.
«الخضرة في الضفة.. وهمس النسيم الماش».
ويبلغ التعبير عن معاناة الفراش ذروته حين ينضب النهر في فصل الصيف، فيواجه العاشق تباريح الهوى وعذابات الفراق:
«القاش وشمس الصيف.. والقيف يعاين القيف
والدمعة في الرملة.. ما بتحكي شوقك كيف».
يسهم تواتر الأسئلة في تعميق فهم الحالة الشعورية التي تصوّرها الأغنية، كما يفتح المجال أمام تأويلات جديدة. وتكرار السؤال الواحد في المقطع نفسه يعزز حالة الحيرة والدهشة، ويؤكد مركزية السؤال في بناء التجربة الغنائية:
«مين علمك يا فراش؟.. مين علمك يا فراش؟
على حمرة الوردة.. وحب الندى الرقاش».
ومن هنا ينتقل النص من الأسئلة التوضيحية والاستنكارية إلى أسئلة توسّع دائرة التأمل في العلاقة بين الفراش والقاش، وتستكشف ما وراء مظاهر الطبيعة من مشاعر وأحاسيس. فالسؤال «بالله ليه يا فراش؟» لا يستفسر عن سبب الرحيل فحسب، بل يستدعي التفكير في معنى الفراق، واستحالة التعبير عن الشوق أحياناً، حتى بالدموع.
غير أن ما لفت نظري في القصيدة هو اختيار الشاعر مفردة «الفراش» دون سواها من الكائنات، الأمر الذي دفعني إلى البحث عن دلالاتها الرمزية وأبعادها الجمالية والفلسفية، وعلاقتها بثقافات الشعوب وأساطيرها وموروثاتها الشعبية.
فهل ثمة علاقة رمزية تجمع بين الفراش والمرأة الجميلة، بما يشتركان فيه من رقة وألوان زاهية وحركة رشيقة وأحاسيس مرهفة وعشق للأزهار والورود؟ وهل أراد الشاعر أن يجعل من الفراش كائناً يحلّق بأمنياته بعيداً عن ضيق الحياة، نحو فضاءات الحب والجمال؟
في الميثولوجيا اليونانية، ترتبط الفراشة بالروح والتحول، وتستدعي أسطورة «سايكي» التي يجسد اسمها معنى الروح، وترتبط قصتها بإيروس، إله الحب. ومن هذه الدلالات نشأت صلة رمزية بين الفراشة والحب والجمال والتحول الداخلي.
وتختلف دلالات الفراشة باختلاف الثقافات والمعتقدات؛ ففي بعض الموروثات الشعبية تُحمّل معاني الحب والأمل والتجدد، وفي بعضها الآخر ترتبط بالأمنيات والرسائل الروحية.
ومن المعتقدات المنقولة عن بعض جماعات السكان الأصليين في أمريكا الشمالية أن الهمس بالأمنيات للفراشة يجعلها تحملها إلى السماء. وإذا استحضرنا هذا الموروث في قراءة الأغنية، أمكننا تأويل «همس النسيم الماش» بوصفه إيحاءً بأمنيات خفية تحملها الطبيعة إلى فضاء الحلم والرجاء.
«الخضرة في الضفة.. وهمس النسيم الماش».
كذلك ترتبط الفراشة في بعض التأويلات المسيحية بالقيامة والتجدد والتحول من حالة إلى أخرى. ويمكن قراءة هذا المعنى في سياق الأغنية التي لا تحصر الفراش في أحزان الفراق، بل تفتح أمامه أفق العودة والأمل:
«باكر بعود القاش.. ترجع عيونو حنان
وتطير تداعب الموج.. بجناح نسيم ريان».
هنا تتجاوز الأغنية حزن اللحظة الراهنة إلى استشراف مستقبل أكثر إشراقاً، إذ يصبح رجوع القاش وعداً باستعادة الحنان، وتتحول رفرفة جناح الفراش إلى علامة على تجدد الحياة واستمرار الأمل.
لكن هل تكفي هذه الدلالات الأسطورية والشعبية لفهم العلاقة الاستثنائية التي أقامتها الأغنية بين الفراش وعيون القاش؟ أم أن في هذه العلاقة أبعاداً فلسفية أخرى تتجاوز الحب والفراق إلى طبيعة التحولات الصغيرة وتأثيرها في مجرى الأحداث؟

Leave a Reply