حوار العدد: الشاعرة والروائية الشابة هبة فوزي الصائغ لـ”ثقافي الهدف”:

صحيفة الهدف

= بقلبي كتبت قصيدتي الأولى

من الكتابة في الدفاتر الصغيرة إلى فضاءات الشعر والرواية والبودكاست، تخوض الشاعرة والروائية الشابة هبة فوزي الصائغ رحلتها الخاصة مع الكلمة، في زمن تتسارع فيه الصور وتتراجع فيه مساحة التأمل. ماذا يعني أن تكون شاعراً شاباً اليوم؟ وكيف تتشكل القصيدة بين الحب والخوف والوجع؟ وأين تقف المرأة الشاعرة وسط مجتمع تتجاذبه التقاليد والتحولات؟ أسئلة نحاول من خلالها الاقتراب من تجربتها، ومن الإنسانة التي تكتب قبل أن تواجه العالم بقصائدها وسردياتها.

حوار: م.نسرين عبده

#قبل أن نتعرف إلى هبة فوزي الصائغ الشاعرة والروائية، نود أن نعرف هبة الإنسانة: من أنتِ بعيداً عن القصائد والرواية والأضواء؟ وما الحكاية التي قادتكِ إلى الكتابة للمرة الأولى؟

بعيداً عن الأضواء، سيدة بسيطة تفعل أشياءها بحب وشغف، تحلم وتسعى إلى تحقيق أحلامها، وتضع أهدافها ثم تصيب الهدف.

تهرول لتصل إلى طريق النجاح. مكافحة، مناضلة، صبورة، مفعمة بالآمال، وتتحلى بكثير من الجرأة والعناد، وتحب التأمل والسفر والفلسفة.

أما الحكاية التي قادتني إلى الكتابة، فكانت في عمر التاسعة، حين كتبت تجربة عن السفر.

#من الدفاتر الصغيرة إلى منصات القصة والرواية والشعر والبودكاست، كيف تطورت علاقتكِ بالكلمة؟ وهل تتذكرين النص الذي شعرتِ بعد كتابته بأن الكتابة لم تعد مجرد هواية، بل أصبحت جزءاً أصيلاً من هويتكِ؟

لا أتذكر النص بدقة، لكن عنوانه كان «محكيات التبلدية». شعرت بعده بأن الكتابة أصبحت جزءاً أصيلاً مني. بل أتذكر حتى الوقت والمحيط؛ ففي ذلك اليوم هطلت أمطار غزيرة حرّكت مشاعري بشدة.

#في زمن يستهلك فيه الناس المحتوى سريعاً، وتنافس فيه الصورةُ الكلمةَ، ما الذي يجعل فتاة شابة تختار الشعر، وهو فن يحتاج إلى الإصغاء والتأمل؟ وهل تشعرين أن الشعر فقد جمهوره، أم أنه يبحث عن لغة جديدة للوصول إليه؟

أنا لم أختر الشعر عن رغبة، إنما أنا سيدة محمّلة بمشاعر كثيفة، فكانت الكلمات مخبأً ومختبراً سرياً تخضع فيه كلماتي للتجربة والبحث.

الشعر لم يفقد جمهوره، إنما يعيد تعريف نفسه ويتجدد بتلقائيته، ليرتدي ما يناسب الآخرين أو يتمرد.

#يُقال إن الشعر يولد من الوجع، لكن بعض أجمل القصائد تخرج من الفرح والحب أيضاً. ماذا تكتب هبة الصائغ حين تكون سعيدة، وماذا تفعل بها الكتابة حين تضيق بها الحياة؟ وهل هناك قصيدة دفعتِ ثمن كتابتها من مشاعركِ؟

نعم، الشعر مرتبط بحالات إنسانية مثل الغضب والحزن والفرح والكراهية.

نعم، هناك قصائد دفعت ثمنها من مشاعري؛ فحينما أكون سعيدة، تزدان قصائدي بالأوزان الموسيقية والطرب، وحينما أحزن، ترتدي كلماتي معي رداءات الرثاء.

#إلى أي مدى تشبه قصائدكِ حياتكِ الحقيقية؟ وهل تخشين أحياناً أن يقرأ الناس نصوصكِ باعتبارها اعترافات شخصية، فيخلطوا بين الشاعرة والمرأة التي تقف خلف القصيدة؟

لا تشبه قصائدي حياتي بشدة، لكنني، كحال البشر، أتأثر بما حولي؛ لذلك توجد نفحات أو رذاذ من حياتي في النصوص.

لا أخشى أن يقرأ القارئ نصوصي فيختلط عليه التفريق بيني وبين الكاتبة؛ فهذا يدل على تمكن الكاتب من لمس وجدان القارئ وإحالته إلى السؤال: «يا ربي، هبة كتبت الكلام دا بس، ولا عاشته في الواقع؟».

#بوصفكِ كاتبة شابة، هل تجدين أن المجتمع يمنح المرأة مساحة كافية لتقول ما تريد بحرية، خصوصاً حين تكتب عن الحب والرغبة والخوف والانكسار؟ أم أن الكاتبة مطالبة دائماً بمراقبة كلماتها أكثر مما يفعل الشاعر الرجل؟

لا يمنح المجتمع المرأة مساحة كافية للتعبير عن نفسها وكيانها في الحب والخوف والقهر وعلاقتها بالجنس الآخر والمختلف.

دائماً ما يكون هناك رقيب وعتيد يترصدانها، ومترجم يتحدث بالإنابة عنها.

#أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي للشعراء الشباب فرصاً للوصول إلى جمهور واسع، لكنها جعلت الانتشار أحياناً معياراً للحكم على قيمة النص. هل أنصفت هذه المنصات تجربتكِ الشعرية، أم أنها تفرض على الشاعر أن يكتب ما يرضي الجمهور بدلاً مما يؤمن به؟

وسائل التواصل الاجتماعي لم تنصفني ولم تظلمني، فأنا قليلة الارتياد لهذه المواقع.

أصبحت هذه الوسائل محاكم تحكم وتجلد حسب الرغبات المبعثرة التي تقودها اللحظية والسرعة، لا حسب قيمة النصوص وفعاليتها الإيجابية التي تحتاج إلى وقوف وتأمل. فنحن في عصر السرعة.

وكما قال نزار قباني: «في عصر زيت الكاز يطلب شاعرٌ ثوباً وترفل بالحرير قحاب».

أما بخصوص الجمهور، فنعم، هناك جمهور دكتاتوري يريد أن يكتب له الشاعر ما يراه مناسباً، وهناك، على العكس، جمهور واعٍ يجعلك تكتب ما تشعر به وتؤمن به، من غير إلقاء التهم. وحتى إذا قدّم نقداً، يكن موضوعياً ومفيداً لحركة الكتابة.

#دعينا نذهب إلى السؤال الأصعب: ما القصيدة الأقرب إلى قلبكِ، تلك التي تستطيعين قراءتها أمام الجميع، وما النص الذي تترددين في مشاركته لأن فيه شيئاً منكِ لا تريدين كشفه؟ وهل يستطيع الشاعر حقاً أن يفصل بين صدق التجربة والخوف من انكشافها؟

القصيدة الأقرب إلى قلبي هي:

«أعيش بين وحدتي فوق هذا الكون

أنا اللا شيء واللا شيء لي».

أما النص الذي لم أكشف عنه، فعنوانه «لا عذر للشيطان إن اعتنق الغباء».

أحياناً يخبئ الشاعر التجربة ويختزلها في النص، دعماً لتأويل القراء، وأحياناً لحماية نفسه ودرء الشتيمة، في الدول التي لا تحمي الأدباء.

#لو طُلب منكِ اختزال تجربتكِ الشعرية حتى الآن في بيت واحد، فماذا تختارين؟ وإذا خُيّرتِ بين أن يصفكِ الناس بالشاعرة التي تلامس قلوبهم، أو الشاعرة التي تزعج أسئلتها قناعاتهم، فأي الصفتين تختارين، ولماذا؟

لو طُلب مني اختزال تجربتي في نص من نصوصي، فسأختار نص «البقايا»:

«بقايا شراب

بقايا كتاب

بقايا جسد

بقايا انتحاب

فهل من حسد؟».

سأختار أن أكون الشاعرة المزعجة؛ لأن مجتمعنا قابع في الوحل والرتابة، وأرى أنه لا بد من إزعاجه، عسى أن يفيق.

#أخيراً، ماذا تقول هبة فوزي الصائغ لفتاة تكتب في دفترها سراً، لكنها تخشى أن تمنح كلماتها صوتاً؟ وما الذي تحضرينه للمرحلة المقبلة: ديواناً شعرياً، رواية، قصة، تجربة جديدة في الإلقاء والبودكاست، أم مشروعاً مختلفاً لم تكشفي عنه بعد؟

أحضّر لأعمال جديدة: ديوان شعري قادم، وتدشين رواية «غُليل» قريباً، والتي أتمنى أن تكونوا حضوراً أساسياً فيها.

ختاماً، شكراً جميلاً لـ«ملف الهدف الثقافي» على الاستضافة، وعلى دخولكم كهفي ونبش الأوتار الصامتة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.