تقتلون الحسين وتسألون عن دم بعوضة!

صحيفة الهدف

د. أحمد الليثي

حين سأل رجلٌ من أهل العراق عبدَ الله بن عمر عن دم البعوض، لم تكن دهشة ابن عمر من السؤال نفسه، وإنما من المفارقة الأخلاقية التي ينطوي عليها. فقال مستنكرًا: «يسألني عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن النبي!».

ومرت القرون، لكن السؤال لم يفقد معناه، بل لعلنا اليوم في السودان أحوج ما نكون إلى استعادته.

أليس هذا حالنا اليوم؟

وطنٌ تمزقه الحرب، ومدنٌ تُدمَّر، وقرى تُحرق، ونساءٌ يتعرضن للاغتصاب، وأطفالٌ يموتون جوعًا وخوفًا، وملايين اقتُلعوا من بيوتهم وتفرّقوا بين النزوح واللجوء، وآلاف الأسر لا تعرف أين ذهب أبناؤها، أحياءٌ هم أم أموات.

ومع ذلك، لا يزال بعضنا يجد متسعًا للانشغال بمعارك صغيرة، وخلافات فقهية هامشية، وتصنيف الناس بحسب معتقداتهم وأفكارهم ومظاهرهم، وكأن كل هذه الدماء لا تستحق من ضمائرنا ما تستحقه مسألة فرعية في الحلال والحرام.

نتجادل حول لباس امرأة، بينما تُغتصب النساء في الحرب.

ونختلف حول تفاصيل العبادات، بينما تُنتهك حرمة الإنسان، وتُهدم المستشفيات، ويُحرم المرضى من العلاج.

ونرفع أصواتنا دفاعًا عن المقدسات، بينما تُداس كرامة الأحياء، وتُترك جثث الموتى بلا دفن.

ونبحث عن المخالفات الصغيرة في سلوك الآخرين، بينما تمر أمام أعيننا جرائم كبرى، فلا نملك تجاهها إلا الصمت أو التبرير أو الانتقاء في الإدانة بحسب هوية الجاني.

والأشد إيلامًا أن بعض الذين يشتد غضبهم لانتهاك حرمة دينية قد لا يجدون الحماسة نفسها حين تُنتهك حرمة إنسان، وأن من يطالبون الناس بالتقوى في تفاصيل حياتهم قد يعجزون عن المطالبة بالعدل حين يصبح العدل مكلفًا.

وليس المقصود التقليل من شأن الدين أو الشعائر أو الأسئلة الفقهية، وإنما مساءلة ذلك الخلل العميق الذي يجعلنا أكثر حساسية تجاه مخالفة شكلية من حساسيتنا تجاه جريمة إنسانية.

فما قيمة التدين إن لم يجعل الإنسان أكثر رحمة؟ وما معنى الورع إن لم يمنع الظلم؟ وما جدوى الدفاع عن المقدسات إذا لم تكن حياة الإنسان وكرامته من أعظم ما نقدّسه؟

لقد كان سؤال ابن عمر، في جوهره، سؤالًا عن ترتيب القيم، لا عن دم البعوض. وكأنما أراد أن يقول إن المشكلة ليست في السؤال عن الصغيرة، وإنما في القدرة على تجاهل الكبيرة.

وهذا هو سؤال السودان اليوم.

ليس السؤال كيف أصبحنا نختلف في كل شيء، وإنما كيف استطعنا أن نعتاد كل هذا الموت، وأن نتعايش مع كل هذا الخراب، ثم نواصل معاركنا الصغيرة كأن شيئًا لم يحدث.

لقد قتلوا الحسين، ثم سألوا عن دم بعوضة.

ونحن اليوم نرى وطنًا يُذبح، ثم نتجادل في كل شيء، إلا في كيفية إنقاذه.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.