طارق عبد اللطيف أبو عكرمة
ليست وظيفة الصحافة أن تنقل الخبر الاقتصادي فحسب، بل أن تشرح ما وراءه: من يربح؟ ومن يتحمل الكلفة؟ وكيف تنعكس السياسات على حياة الناس؟
منذ صدورها في دمشق في 3 يوليو 1946، مثّلت جريدة «البعث» تجربةً في الصحافة الحزبية المرتبطة بمشروع سياسي واجتماعي. ويمكن قراءة تلك التجربة اليوم من زاوية اهتمام الصحافة بقضايا العمل والإنتاج والعدالة الاجتماعية، مع ضرورة الرجوع إلى أعدادها الأصلية لتحديد ما نشرته فعلاً بشأن كل قضية.
لكن التجربة الأبرز للصحافة البعثية لم تكن في دمشق، بل في بغداد. فبعد ثورة 17/30 تموز 1968، تحولت صحافة الحزب في العراق إلى مختبر للتنوير الاقتصادي. ولم تكن صحف «الثورة» و«الجمهورية» و«البعث»، وغيرها من صحف الحزب في العراق، مجرد منابر لنقل الأخبار، بل منصات لشرح سياسات التأميم والتنمية. فعندما أُعلن تأميم النفط في آذار 1972، لم تكتف الصحافة بإعلان القرار، بل نشرت ملفات تشرح للعامل والفلاح معنى التأميم، وكيف يمكن أن تعود عائدات النفط إلى الشعب، ولماذا تعارض القوى الاستعمارية القرار، وكيف يمكن للعراق مواجهة الضغوط. كانت الصحافة تعلّم الناس الاقتصاد، لا تكتفي بإخبارهم به.
وحين ارتفعت أسعار النفط بعد حرب أكتوبر 1973، فتحت الصحافة صفحاتها لمناقشة سبل توزيع الثروة: هل تُبنى المصانع أم تُشترى السلع؟ وهل تُدعم الزراعة أم الصناعة؟ كانت هذه أسئلة تنويرية بالمعنى العميق.
لم يكن التنوير الاقتصادي، في معناه الأعمق، مجرد الحديث عن العامل والفلاح، بل ربط أحوالهما بالسياسات التي تحدد فرص العمل والأجور والإنتاج وتوزيع الثروة. وهذه هي الوظيفة التي تحتاج إليها الصحافة في كل عصر: الانتقال من وصف معاناة الناس إلى تفسير أسبابها، ومساءلة القرارات التي تؤثر في حياتهم.
ومن الأمثلة على هذا التنوير ما نشرته صحافة الحزب في العراق عن البطالة؛ إذ لم تكن تكتفي بنشر أعداد العاطلين، بل كانت تفتح ملفات عن أسباب البطالة: هل تعود إلى تخلف الصناعة؟ أم الاعتماد على الاستيراد؟ أم هجرة الفلاحين إلى المدن؟ ثم تنتقل إلى الحلول العملية، مثل تشجيع الصناعات الوطنية، ودعم المشروعات الصغيرة، وتطوير الزراعة. وهكذا، لم تكن الصحافة تعكس الواقع فحسب، بل تسهم في تغييره من خلال نشر الوعي.
لقد تغيرت الوسائل، من الصحيفة الورقية إلى المنصات الرقمية، لكن السؤال بقي: هل تساعد الصحافة الناس على فهم اقتصادهم، أم تكتفي بترديد الأرقام والشعارات؟ تحتاج قضايا الأسعار والضرائب والدين العام والدعم والبطالة والاستيراد والإنتاج المحلي اليوم إلى صحافة تشرح الأرقام بلغة واضحة، وتختبر الوعود بالوقائع، وتعرض أثر السياسات في العامل والمنتج والمستهلك.
لكن التحدي اليوم مختلف. فالصحافة الحزبية في زمن صحيفة «البعث» كانت تواجه الرقابة والمنع، لكنها كانت تملك جمهوراً ينتظرها. أما اليوم، فتواجه منافسة غير متكافئة من منصات تملك مليارات الدولارات، وخوارزميات تحاول التنبؤ بما يريده القارئ قبل أن يحدده بنفسه. وفي هذا الزمن، لا يمكن للصحافة الحزبية أن تنتصر بالشعارات، بل بالعمق والصدق. عليها أن تقدم ما لا تقدمه المنصات: التحليل والسياق والتاريخ والرؤية؛ وأن تكون ذاكرة الأمة، وبوصلة الاقتصاد، وصوت من لا صوت لهم.
أما المستقبل، فلا تصنعه صحافة تكتفي بالدفاع عن موقف سياسي، بل صحافة تجمع بين الانحياز إلى كرامة الإنسان والانضباط للحقيقة؛ تكشف الفساد بالدليل، وتناقش الإصلاح من خلال آثاره وتكاليفه، وتفتح المجال أمام الحلول والآراء المختلفة. تستطيع الصحافة الحزبية أن تنطلق من رؤيتها الفكرية، لكن مصداقيتها تُبنى على دقة معلوماتها، ووضوح مصادرها، واستعدادها لمساءلة الأداء، لا الاكتفاء بتأييده.
وقد عبّرت صحيفة «البعث»، في افتتاحيتها الأولى بعد إعادة إصدارها عام 1962، بعنوان «الكلمة الطيبة»، عن هذه الرؤية بقولها: «إن الفكر سلاح هادئ شريف، يستمد قوته من كرامة الفكر وصدقه. فإذا افتقد خصائصه غدا عاملاً من عوامل التحريض والقلق». وهذه الرؤية للكلمة بوصفها أمانة ومسؤولية هي ما تحتاج إليه الصحافة اليوم أكثر من أي وقت مضى.
إن استعادة تجربة صحيفة «البعث» لا تعني الاكتفاء باستحضار تاريخها، بل تحويل أسئلتها الاجتماعية إلى معرفة اقتصادية نافعة للناس اليوم. فالكلمة لا توقظ الوعي بالشعار وحده، بل بما تمنحه للقارئ من فهم وقدرة على التمييز والمساءلة.
الكلمة سلاح، وأثرها الأعمق أن تفتح العقول، لا أن تعفي الأفكار من الاختبار.

Leave a Reply