طارق عبد اللطيف ابوعكرمة
مقدمة: في خضمّ الأزمات المتلاحقة التي تعصف بالوطن العربي، يبرز سؤال جوهري حول كيفية تحوّل التاريخ من كونه ذاكرة جامعة للأمة إلى ساحة صراع تُستغل لتمزيقها. يتناول التقرير الاقتصادي والاجتماعي، الذي أقرّه المؤتمر القومي الثالث عشر 2026م ، و يشير بوضوح إلى (عمل منظم ومنهج لتحويل التاريخ العربي والإسلامي المجيد إلى عامل فرقة وتقسيم للمجتمع من خلال استجلاء خلافات الماضي المذهبية والعقائدية لتؤسس لحاضر جديد، ودعم وتشجيع الحركات المتطرفة التي ارتكبت المجازر باسم الإسلام وبثت الدعوات التكفيرية والنعرات والتقسيمات الطائفية(
ليست هذه مجرد ملاحظة عابرة، بل تنبيه إلى آلية يمكن أن تسهم في تفكيك النسيج الاجتماعي، حين يُعاد تقديم الماضي باعتباره ساحة صراع دائم. فالتاريخ الذي يفترض أن يساعد الجماعات على فهم تجاربها المشتركة قد يتحول، بفعل الانتقاء والتوظيف السياسي، إلى وسيلة لتغذية الانقسام. ولا يقتصر هذا الاحتمال على تدخل القوى الخارجية، إذ قد تسهم فيه أيضاً قوى محلية تجد في استدعاء خلافات الماضي وسيلة لتعزيز نفوذها أو إقصاء خصومها.
ولا يعني توظيف التاريخ بالضرورة اختلاق وقائع جديدة، فقد يكون أخطر أشكاله انتقاء وقائع حقيقية من الماضي، وعزلها عن سياقها، وإعادة تفسيرها بوصفها دليلاً دائماً على العداء بين الجماعات. وهنا ينتقل التاريخ من مجال الفهم إلى مجال التعبئة، ومن الذاكرة إلى الهوية الصراعية.
أولاً: كيف تعمل القوى الخارجية على تحويل التاريخ من مصدر فخر إلى ساحة صراع؟
لا ينفصل الصراع على الذاكرة عن الصراع على الحاضر، فطريقة تفسير الماضي تؤثر في نظرة الجماعات إلى ذواتها وإلى الآخرين. وفي ضوء ما يطرحه التقرير، يمكن تحليل توظيف التاريخ من خلال آليتين أساسيتين: إعادة استدعاء الخلافات المذهبية والعقائدية خارج سياقاتها التاريخية، وتوظيف روايات انتقائية لتبرير خطاب الإقصاء أو العنف. غير أن تحديد دور القوى الخارجية في هذه الآليات يقتضي التمييز بين ما يورده التقرير الذي أقرّه المؤتمر القومي الثالث عشر 2026م من تشخيص عام، وما يمكن إثباته في كل حالة من خلال الوقائع والمصادر.
في السياق العربي، تعمل هذه القوى على مستويين متكاملين:
المستوى الأول: استجلاء الخلافات المذهبية والعقائدية، حيث يتم إخراج خلافات تاريخية قديمة من سياقها الزمني والموضوعي، وتضخيمها لتصبح محور الصراع الحاضر. فبدلاً من فهمها كاختلافات فقهية أو تاريخية في ظروف محددة، تُحوَّل إلى هويات ثابتة ومتناقضة، تُستخدم لتبرير العداء والاقتتال. ويشير التقرير إلى أن هذا يتم (من خلال استجلاء خلافات الماضي المذهبية والعقائدية لتؤسس لحاضر جديد).
المستوى الثاني: دعم الحركات المتطرفة، لا يقتصر الأمر على إحياء الخلافات، بل يمتد إلى دعم وتشجيع حركات متطرفة تتبنى خطاباً تكفيرياً وتقسيمياً. هذه الحركات، التي ترتكب المجازر باسم الإسلام، تجد في هذا التاريخ المحرّف مادة خصبة لتبرير عنفها. ويؤكد التقرير الذي أقرّه المؤتمر القومي الثالث عشر 2026م على (دعم وتشجيع الحركات المتطرفة التي ارتكبت المجازر باسم الإسلام وبثت الدعوات التكفيرية والنعرات والتقسيمات الطائفية).
وتكمن خطورة هذه الآلية في أنها لا تكتفي بإبراز الاختلافات المذهبية، بل قد تحولها إلى حدود فاصلة بين الجماعات، وتستخدمها لتبرير الإقصاء أو العنف. وفي هذا السياق، يشير التقرير إلى توظيف الدين في تغذية الانقسامات، بدلاً من إبراز ما يحمله من قيم أخلاقية وإنسانية يمكن أن تسهم في الارتقاء بالإنسان والمجتمع. والمشكلة، إذن، ليست في دراسة الخلافات الدينية أو الاعتراف بوجودها، وإنما في تحويلها إلى أساس للعداء، أو اختزال الدين في انتماء شكلي يُستعمل لإقصاء المختلفين.
ثانياً: الفرق بين (التاريخ النقدي)، و(التاريخ التفتيتي): هنا يبرز سؤال محوري: ما الفرق بين التاريخ النقدي الذي يعترف بالخلافات، والتاريخ التفتيتي الذي يستغلها لخلق فرقة؟. التاريخ النقدي منهج في قراءة الماضي يقوم على فحص المصادر، ووضع الوقائع في سياقاتها، والتمييز بين الحدث وتفسيره، ومقارنة الروايات المختلفة، ومراجعة الأحكام السائدة في ضوء الأدلة. وهو لا يخفي الصراعات أو يبررها، بل يسعى إلى فهم أسبابها ونتائجها واستخلاص الدروس منها.
أما التاريخ التفتيتي فلا تكمن مشكلته في تناوله أحداثاً خلافية، بل في انتقائه بعض الوقائع وعزلها عن سياقاتها، ثم تحويلها إلى هويات سياسية ومذهبية ثابتة، بحيث يصبح خلاف الماضي مبرراً للعداء في الحاضر. وهو قد يستثمر روايات صحيحة جزئياً أو كلياً، لكن بطريقة انتقائية تجعلها أدوات للتحريض بدلاً من أن تكون موضوعاً للفهم.
والفارق الجوهري بين المنهجين أن التاريخ النقدي يعترف بالاختلاف لكي يفهمه، أما التاريخ التفتيتي فيستدعي الاختلاف لكي يعيد إنتاجه. ومع ذلك، لا يجوز افتراض أن كل قراءة نقدية للتاريخ تؤدي إلى الوحدة، أو أن كل خطاب يتحدث عن الوحدة يلتزم بالضرورة بالمنهج النقدي، فالمعيار هو احترام الأدلة والسياقات، وعدم تحويل الاختلاف إلى مبرر للإقصاء.
ويمتد النقاش، وفق تشخيص التقرير، من توظيف الخلافات التاريخية إلى استخدام الانتماءات المذهبية في الصراعات الإقليمية. ويورد التقرير مثالاً يتعلق بدور النظام الإيراني في إنشاء أذرع سياسية ومسلحة ذات خطاب طائفي في عدد من الأقطار. ويقتضي تناول هذا المثال التمييز بين موقف التقرير وتوصيفه السياسي، وبين الوقائع المحددة المتعلقة بكل جماعة أو تدخل. كما يقتضي عدم الخلط بين سياسات الدولة الإيرانية وبين المذهب الشيعي أو أتباعه عموماً، فموضوع النقد هنا هو توظيف الانتماء المذهبي في الصراع السياسي، لا تحويل جماعة دينية بأكملها إلى طرف مسؤول عن سياسات دولة أو تنظيمات بعينها.
ثالثاً: كيف يمكن بناء سردية تاريخية قومية جامعة؟: في مواجهة هذا التحريف والتفتيت، يطرح السؤال نفسه: كيف يمكن بناء سردية تاريخية قومية جامعة تعترف بالتنوع دون أن تنكر الوحدة؟. ولا تعني السردية القومية الجامعة فرض رواية واحدة على جميع المجتمع أو الاتفاق على كل تفاصيل الماضي، فالتجارب الوطنية والمحلية تختلف، كما تتباين قراءاتها ومصادرها. والمقصود هو بناء إطار مشترك يسمح بتعدد الروايات ومناقشتها نقدياً، ويبحث عن عناصر الترابط التاريخي والثقافي، من دون إنكار الخصوصيات أو تحويلها إلى مبررات للعداء. فالوحدة التاريخية لا تستلزم تطابق الذاكرات، كما أن تعدد الذاكرات لا يستلزم إنكار المشترك. و يقدم التقرير الذي أقرّه المؤتمر القومي الثالث عشر 2026م بعض العناصر الأساسية للإجابة على هذا السؤال:
أولاً: التأكيد على عوامل الوحدة، حيث يشير التقرير إلى أن (عوامل القوة في الأمة وهي التاريخ والجغرافيا واللغة والثقافة والمصير المشترك تتعرض كل على حده للتشظي). ومن هنا، فإن بناء سردية جامعة يبدأ بالتأكيد على هذه العوامل المشتركة. فاللغة العربية ليست وحدها أساس الوحدة، لكنها أحد أهم حوامل الذاكرة والتواصل الثقافي، إلى جانب التاريخ والجغرافيا والثقافة والمصير المشترك.
ثانياً: الاعتراف بالتنوع: لا يعني التأكيد على الوحدة إنكار التنوع. (والاعتراف بالتنوع لا يعني فقط الاعتراف بوجود المذاهب والثقافات المختلفة، بل الاعتراف أيضاً بتعدد التجارب والذاكرات الوطنية والمحلية داخل المجال العربي. فالسردية القومية الجامعة لا تلغي الذاكرة اليمنية أو السودانية أو العراقية أو المغربية، وإنما تبحث عن المساحات التي تتقاطع فيها هذه الذاكرات داخل إطار قومي أوسع).
ثالثاً: مواجهة التحريف: يتطلب بناء السردية الجامعة مواجهة حازمة لمحاولات التحريف. ويشير التقرير الذي أقرّه المؤتمر القومي الثالث عشر 2026م إلى أن (اللغة العربية)، هي (العامل الأقوى في جمع كلمة الأمة ومصيرها المشترك). ومن هنا، فإن حماية اللغة والثقافة العربية من محاولات التغريب والتهميش هي جزء أساسي من هذه المواجهة.
رابعاً: إعادة قراءة التاريخ بإنجازاته وإخفاقاته: فالتاريخ العربي والإسلامي يضم تجارب حضارية وإنجازات فكرية وإنسانية، كما يضم صراعات وإخفاقات ينبغي فهمها في سياقاتها. وإبراز الإنجازات مهم في بناء الوعي التاريخي، لكنه لا يكتمل بحذف الصفحات الصعبة أو تبرير الأخطاء. فالسردية الجامعة لا تقوم على تمجيد انتقائي للماضي، وإنما على قراءته قراءة نقدية تستخلص من نجاحاته ما يعزز الثقة، ومن إخفاقاته ما يساعد على تجنب تكرارها. والأمة التي تثق بتاريخها لا تحتاج إلى تزويره أو إخفاء جروحه، بل إلى فهمه في كليته.
ولا ينبغي عزل التاريخ عن بقية عناصر القوة التي يحددها التقرير، وهي الجغرافيا واللغة والثقافة والمصير المشترك. فهذه العناصر لا تعمل منفصلة، بل تتفاعل في تشكيل الذاكرة والهوية ومجالات التواصل بين المجتمع العربي. وإذا أمكن توظيف التاريخ لإنتاج الخصومة، فإن إضعاف التواصل الثقافي، وتحويل الحدود إلى حواجز سياسية واجتماعية، وتهميش اللغة المشتركة، كلها عوامل قد تحد من إدراك المصالح المشتركة. ومن ثم فإن بناء الوعي التاريخي الجامع لا ينفصل عن تعزيز التواصل الثقافي والمعرفي، واحترام التنوع، وتطوير المصالح المشتركة في الحاضر.
بالتالي فإن السردية القومية الجامعة ليست تاريخاً بديلاً يخفي الخلافات، وليست تاريخاً انتقائياً يمجد الماضي ويتجاهل أخطاءه. إنها تاريخ نقدي يعترف بالتعدد، ويفهم الصراعات في سياقاتها، ويميز بين اختلاف الماضي وصراع الحاضر، ويبحث في الوقت نفسه عن عناصر الترابط التي صنعت المجال العربي عبر التاريخ. فالوحدة لا تحتاج إلى ذاكرة مزيفة، كما أن الاعتراف بالتنوع لا يستلزم تفكيك المشترك. وبين إنكار الاختلاف وتقديسه، تقع المهمة الأصعب، والتي تتمثل في أن نقرأ تاريخنا كله، بجراحه وإنجازاته، بحيث يصبح الماضي مجالاً للفهم، لا مخزناً دائماً للخصومة.
خاتمة: إن ما يطرحه التقرير الذي أقرّه المؤتمر القومي الثالث عشر 2026م ، يتجاوز توصيف توظيف التاريخ في الانقسام، إلى التنبيه إلى أهمية حماية عناصر الترابط التاريخي والثقافي من الاستخدام التفتيتي. غير أن بناء سردية قومية جامعة لا يتحقق بمجرد استدعاء الماضي المجيد، ولا بإنكار الصراعات التي شهدها، بل بقراءته قراءة نقدية تعترف بالتنوع، وتفهم الخلافات في سياقاتها، وتبحث عن المشترك من دون إلغاء الخصوصيات.
إن اختلافنا حول تفاصيل الماضي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة دائمة في الحاضر. فالتاريخ النقدي يساعدنا على فهم ما اختلفنا حوله، أما توظيفه التفتيتي فيحوّل الاختلاف إلى هوية مغلقة للصراع. وبين هذين المسارين تتحدد مسؤوليتنا تجاه الذاكرة: إما أن نجعل الماضي مجالاً للفهم والتعلم، وإما أن نعيد استخدامه لإنتاج العداء. فالتاريخ الذي نكتبه ونعلّمه ونناقشه اليوم يسهم في تشكيل الطريقة التي ستفهم بها الأجيال القادمة ذواتها والآخرين. ولهذا فإن معركة الذاكرة ليست معركة على الماضي وحده، بل هي أيضاً مسؤولية عن معنى المستقبل.

Leave a Reply