بقلم: ماجد الغوث
اليمن اليوم لا يخوض معركة عادية بين جيش ومليشيا، اليمن يخوض معركته المصيرية الأخيرة، معركة تحدد هل يبقى اليمن يمناً عربياً جمهورياً موحداً أم يتحول إلى ضاحية جنوبية تدار من طهران. إعلان عملية فجر اليمن التي أعلنها فخامة الدكتور رشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي القائد الأعلى للقوات المسلحة لم يكن مجرد تحرك عسكري، بل كان إعلاناً بأن زمن المهادنة مع المشروع الفارسي في اليمن قد انتهى، وأن قطار استعادة الدولة قد تحرك ولن يعود إلى الوراء.
ما يحدث في اليمن منذ اثنتي عشرة سنة ليس انقلاباً داخلياً كما يحاول البعض تبسيطه، بل هو احتلال فارسي ناعم بأدوات يمنية. المليشيا الحوثية لم تأت بفكر يمني، جاءت بفكر ولاية الفقيه، بصرخة مستوردة، براية لا تشبه اليمن، بس.لاح لم يصنع في صعدة بل صنع في طهران وشحن عبر البحر وهرب عبر الموانئ. تقارير مجلس الأمن والخبراء الدوليين وثقت عشرات الشحنات من الصواريخ الحرارية والطائرات المسيرة صماد وقدس والزوارق المفخخة، ووثقت وجود خبراء من الحرس الثوري وحزب الله في صعدة والحديدة يديرون غرف العمليات ويطلقون الصواريخ على مأرب وعلى أبها وجيزان والرياض وأبوظبي، ويهددون الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب. هذه ليست مليشيا يمنية، هذه هي اليد الفارسية في اليمن التي تطاولت على سيادة أقطار الأمة العربية وزرعت الإرهاب وهددت الأمن القومي العربي من الخليج إلى البحر الأحمر.
وهنا لا بد أن نقرأ المشهد كاملاً، فالمشروع الفارسي والمشروع الص.هيوني الإمب.ريالي وجهان لعملة واحدة في استهداف الأمة وضربها في حلقاتها الأقوى، وتلك هي الحقيقة التي تعطي مصداقية كاملة للربط بينهما. فما جرى لم يكن صدفة. لقد تم تكبيل مصر، قلب الأمة النابض وثقلها التاريخي، باتفاق كامب ديفيد وإخراجها من حلبة الصراع العربي الصه.يوني، لاسيما الصراع الفلسطيني، وذلك كجزء محوري من مخطط التفتيت وإعادة رسم الخرائط الذي أعلن عن ملامحه مستشار الأمن القومي الأمريكي برجنسكي مطلع السبعينيات، وهو المخطط الذي يشمل إضافة إلى مصر والسودان، الشام والسعودية والجزائر، بهدف تحويل الدول المركزية الكبرى إلى كيانات هامشية متناحرة.
وفي نفس السياق، تم تسليم العراق، بوابة الأمة الشرقية، لإيران في طبق من ذهب بعد الغزو الأمريكي الصه.يوني عام 2003، وهو ما كشف التنسيق الموضوعي بين المشروعين. وللتذكير بحقيقة هذا المشروع، لا بد من إيراد شاهدين يلخصان المسألة. الأول، تصريح الخميني في مطار شارل ديغول وهو متوجه إلى طهران، حين سألته صحفية بريطانية ببديهة حاضرة من هو عدو ثورتكم، فأجاب دون تردد صدام حسين، وهو ما تحول عملياً في 4 سبتمبر 1980 إلى عدوان توسعي واسع النطاق على العراق استمر لثمان سنوات، كانت هي القادسية الثانية دفاعاً عن الأمة كلها ضد ما يسمى بتصدير ثورة الخميني. والشاهد الثاني، تصريح مسؤول إيراني ومرجع لولاية الفقيه بزهو وافتخار بعد احتلال العراق، قائلاً لولا إيران لما تمكنت أمريكا من غزو أفغانستان واحتلال العراق، وهو اعتراف صريح بدور الحليف الوظيفي للمشروع الصه.يوني الإمب.ريالي.
وما جرى في العراق تكرر في لبنان الذي تمدد فيه الدور والتوسع الفارسي عبر حزب الله ليصادر قرار الدولة ويحولها إلى منصة صواريخ تخدم طهران، وما جرى في سوريا والشام من محاولة تفكيك الدولة المركزية القوية وتحويلها إلى كانتونات طائفية خدم المشروعين معاً، وما يجري اليوم في اليمن من تعطيل لباب المندب وضرب لخاصرة الأمة الجنوبية هو نفسه ما يجري الآن في السودان. إن استهداف السودان اليوم ليس شأناً سودانياً داخلياً، السودان هو جسر الأمة مع أفريقيا، وعمقها الاستراتيجي، ومخزن غذائها وأمنها المائي، ومحور ربطها بالقارة السمراء، وضرب السودان وإدخاله في ح.رب استنزاف طويلة وتفكيك جيشه ومؤسساته هو استكمال لنفس المخطط الذي ضرب العراق وسوريا ولبنان واليمن، والهدف واحد هو أن لا تبقى دولة عربية مركزية قوية قادرة على حماية الأمن القومي العربي. واليوم السودان، وغداً مصر المستهدفة في نيلها وفي سينائها وفي قناة السويس وفي جيشها الذي هو آخر الجيوش العربية النظامية الكبرى، ضمن سلسلة الحلقات التي تتساقط واحدة تلو الأخرى إذا لم نستوعب أن المعركة واحدة.
ولذلك كان وصف قيادة قطر اليمن لحزب البعث العربي الاشتراكي القومي لهذه المعركة بأنها القادسية الثالثة وصفاً في مكانه تماماً. القادسية الأولى في التاريخ كسرت المشروع الفارسي الأول وفتحت أبواب العراق والشام للعروبة والإسلام، والقادسية الثانية في ثمانينيات القرن الماضي وقف فيها العراق وجيشه وشعبه ومعه كل شرفاء الأمة سداً منيعاً أمام ما يسمى بتصدير الثورة الخمينية وحمى البوابة الشرقية للأمة ثماني سنوات. واليوم تأتي القادسية الثالثة من اليمن، لأن المشروع هو نفسه، الحلم الفارسي بالسيطرة على عواصم العرب الذي تحدثوا عنه علناً، بغداد وبيروت ودمشق وصنعاء واليوم يحاولون إضافة الخرطوم. قطع هذا الحلم يبدأ من اليمن، وفجر اليمن هو قطع لل.يد الفارسية في اليمن، وهو في ذات الوقت قطع لليد الصه.يونية التي تستفيد من كل تمزق عربي.
الشواهد التي تجعل هذه المعركة حتمية ومشروعة لا تحتاج إلى دليل، فكل يمني عاشها. هذه المليشيا صادرت حق اليمنيين في العيش الكريم، قطعت المرتبات منذ 2016 ونهبت أكثر من خمسة تريليون ريال من إيرادات ميناء الحديدة والاتصالات والضرائب والجمارك، وفرضت جبايات حتى على البسطات في الأسواق. فجرت أكثر من تسعمائة مدرسة ومسجد ودار قرآن، وزرعت أكثر من مليوني لغم في مزارع الناس وطرقاتهم، وجندت أكثر من خمسة وثلاثين ألف طفل وزجت بهم إلى الجبهات حسب تقارير الأمم المتحدة نفسها، وفرضت نظاماً طبقياً عن.صرياً يقسم اليمنيين إلى سادة وعبيد باسم البطنين والولاية، وهو نظام لم يعرفه اليمن حتى في أحلك أيام الإمامة. رفضت كل مبادرات السلام من جنيف إلى الكويت إلى ستوكهولم إلى خارطة الطريق، لأنها لا تعيش إلا بالح.رب ولا تحكم إلا بالخراب.
ولهذا فإن مواجهة هذا التمرد واستعادة الجمهورية ليست معركة عسكرية فحسب، بل هي معركة وطنية وقومية وإنسانية وأخلاقية. هي معركة وطنية لأنها دفاع عن الجمهورية والوحدة والثورة، عن سبتمبر وأكتوبر، ضد عودة الإمامة بثوب جديد. وهي معركة قومية لأنها دفاع عن الهوية العربية لليمن، عن عروبة صنعاء التي يراد صبغها بلون طائفي دخيل، عن انتماء اليمن لأمته العربية لا للمشروع الفارسي الص.هيوني الذي يريد للأمة أن تتجزأ. وهي معركة إنسانية لأنها دفاع عن حق ثلاثين مليون يمني في الأمن والحرية والتعليم والصحة والمرتب بعد أن حولتهم المليشيا إلى رهائن في أكبر كارثة إنسانية في العالم.
تنبأ التقرير السياسي للمؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي أن قادمات الأيام ستشهد انهياراً حتمياً للمشروع الفارسي في اليمن، لأن مليشيا صادرت الدولة وقطعت المرتبات ونهبت الموارد وفجرت المدارس وزرعت الألغام وجندت الأطفال لا يمكن أن تبني وطناً. وشدد التقرير أن قادمات الأيام ستكشف عن معدن اليمنيين الأصيل، معدن الصبر والثبات والجمهورية، وأن شعباً قاوم الإمامة والاستعمار لعقود لن يقبل أن تتحول صنعاء إلى ضاحية تدار من طهران، وأن فجر اليمن هو بزوغ الفجر الأبلج بعد ظلام دامس وهو القادسية الثالثة المقدسة التي يخوضها الجيش اليمني ومعه الأشقاء في التحالف العربي نيابة عن الأمة والعالم. وشدد التقرير أن هذه المواجهة تقتضي توحيد الصف الوطني والوقوف خلف القوات المسلحة وإسناد كل جهد لاستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب وبسط سيادة الجمهورية على كامل التراب وحفظ الأمن وتعقب الخلايا النائمة والإبلاغ عنها واحترام الدستور والقانون، وأن قطر اليمن للبعث كان وسيظل في طليعة المدافعين عن الجمهورية حتى يتحقق النصر ويبقى فجر اليمن مشتعلاً لا ينطفئ، وليبقى السودان جسراً للأمة لا بوابة لاختراقها، وليبقى لبنان عربياً لا فارسياً، ولتبقى مصر قلباً نابضاً للأمة لا هدفاً قادماً لمشاريع التقسيم.

Leave a Reply