هل يتكرر سيناريو «التفعيلة» مع الذكاء الاصطناعي؟

صحيفة الهدف

محمد شريف

حين زلزل شعر التفعيلة أركان القصيدة العربية في منتصف القرن الماضي، لم تكن المعركة مجرد خلاف حول عروض الخليل بن أحمد، بل كانت صدمة للذائقة المستقرة. اتُّهم الرواد حينها بالاستسهال، وتخريب جماليات الإيقاع الموروث، وتجريد الشعر من هيبته. غير أن الزمن، ومعه إصرار المبدعين على تطويع القالب الجديد ليعبّر عن روح العصر وتشابك قضاياه، جعلا من التفعيلة رافدًا أصيلًا في مدونة الأدب العربي.

اليوم، يقف المشهد الثقافي أمام لحظة فارقة تشبه تلك الصدمة الأولى، لكن بطلها هذه المرة ليس شاعرًا يتجاوز شطري البيت، بل «الذكاء الاصطناعي».

تتزايد التساؤلات والنقاشات حول مشروعية النصوص التي تنتجها النماذج اللغوية عالية التدريب؛ إذ يراها البعض تهديدًا لأصالة الإبداع وتزييفًا للمشاعر. غير أن القراءة المتعمقة لتاريخ التحولات الأدبية تشير إلى أن التجربة قد تعيد نفسها في شكل جديد.

إن القبول المستقبلي للكتابة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لن يتحقق باعتبارها بديلًا للشاعر أو الروائي، بل حين تتحول من مجرد «مولّد نصوص سريعة» إلى «أداة إبداعية طيّعة» في يد الكاتب. فكما يحتاج الشاعر إلى إدراك عميق للغة والتراث ليصوغ نصه التفعيلي، سيحتاج أديب المستقبل إلى مهارة في بناء السياقات ودراية واسعة، ليُوجّه النموذج ذا البصمة المخصصة نحو إنتاج نصوص تعكس رؤيته الفكرية والجمالية.

وسيُعاد تعريف المفهوم التقليدي لـ«المؤلف» بصورة جذرية، لينتقل من فكرة الفردية المطلقة إلى الإبداع الهجين، القائم على التفاعل بين الخيال البشري والقدرة الحسابية الهائلة للآلة. ومع تطور النماذج وقدرتها على محاكاة الأساليب البليغة، سينتقل الرهان من مجرد جودة الصياغة إلى قدرة النص على ملامسة الوجدان والتعبير عن الأسئلة الوجودية الكبرى.

وكما لم يمت الشعر العمودي بظهور شعر التفعيلة، ولم تُلغِ الكاميرا فن الرسم، فإن الذكاء الاصطناعي لن يلغي القلم البشري، بل قد يرسم ملامح جنس أدبي جديد له معاييره ونقاده. وسيبقى النص، في نهاية المطاف، رهينًا بقدرته على الشحن الجمالي والإنساني الذي يبعث فيه الحياة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.