د. أحمد الليثي
ليست الحضارة فيما نفعله حين نكون آمنين، بل فيما نفعله حين نملك القدرة على الأذى.
فالإنسان هادئ ما دام بعيدًا عن امتحان القوة، ورحيم ما دامت الرحمة لا تكلّفه شيئًا. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ حين يصبح خصمه بين يديه؛ جريحًا لا يستطيع الدفاع عن نفسه، أو أسيرًا فقد سلاحه، أو جسدًا فارقته الحياة ولم يعد قادرًا حتى على الاحتجاج.
هناك، في تلك اللحظة تحديدًا، ينكشف ما أخفته الشعارات.
بعض الشعوب تعلّمت، بعد حروب طويلة ودم كثير، أن للعداوة بابًا ينبغي أن تُترك عنده الكراهية قبل الدخول إلى حضرة الموت، وأن الجسد حين يسقط لا يعود رايةً ولا بندقيةً ولا بيانًا سياسيًا؛ بل يعود، ببساطة، جسد إنسان.
أما نحن، فما زلنا أحيانًا نحمل الحرب إلى ما بعد الحرب؛ نلاحق الخصم بعد سقوطه، ونبحث في ضعفه عن صورة، وفي جرحه عن نشوة، وفي موته عن دليل انتصار. كأن قتل الإنسان لا يكفي، فلا بد أن نقتل كرامته أيضًا.
والغريب أن المنتصر في تلك اللحظة لا ينتبه إلى أنه، وهو يعرض هزيمة خصمه، قد يعرض شيئًا آخر لم يقصده: هزيمته هو أمام نفسه.
فليست كل قدرة قوة، ولا كل غلبة نصرًا.
ثمة انتصارات صغيرة تحدث بعيدًا عن ضجيج البنادق: أن تستطيع الإهانة فلا تفعل، وأن تملك الأسير فتصون كرامته، وأن تقف أمام جثمان عدوك فلا ترى فيه عدوًا، بل ترى أمًّا ستنتظر من لن يعود، وبيتًا سيطرق الحزن بابه، وحياةً كانت هنا ثم انطفأت.
ربما لهذا كانت أخلاق الحرب أصعب من الحرب نفسها؛ لأن الحرب تحتاج إلى سلاح، أما أخلاقها فتحتاج إلى إنسان لم ينجح السلاح في قتله من الداخل.
ستنتهي الحروب، كما انتهت حروب كثيرة قبلها. ستصمت المدافع، وتصدأ البنادق، وتتبدل الرايات والخطب.
لكن سيبقى سؤال واحد، أشد قسوة من كل أسئلة المنتصر والمهزوم:
حين انتهت المعركة، ماذا بقي فينا من الإنسان؟

Leave a Reply