محاسن الصُّدف

صحيفة الهدف

د. الشيخ فرح
كلما صَنّف النّاس حدثٍ ما على أنه صدفة، كنت أحدّثُ نفسي أنّه لا توجد صدفة في هذا الكون الواسع. فالمسيطر و المهيمن على كل الأحوال وكل الخلائق والحوادث لم يترك للصدفة مجالاً في ملكه البديع، فكل الحوادث تمر بحكمته، ثم تعبرُ بقدرته إلى ألواحنا فتصبح قدراً مقدوراً، في كتابه المحفوظ في علمه الأزلي.
ومن القصص التى لا انساها أن خالي المقيم بالإمارات ارسل لصديقه عبدالله وهو مريض بالسُّكري، جهازاً حديثاً لقياس السُّكر مع شرائط القياس وإبر الوخز.
حاولت الاتصال بعبدالله أكثر من مرة وكان هاتفه مغلقاً أحياناً، ولا يمكن الوصول إليه في أغلب الأحيان.
اتصلت على خالي وقلت له:
– صديقك عبدالله لا يرد على اتصالاتي، كما أن هاتفه مُغلق طوال الوقت.
رد خالي متأسفاً:
– ما تتعب نفسك حأوصف ليك بيت العزابة الذي يسكن فيه عبدالله وممكن
تترك الجهاز مع أي واحد بالبيت، فقط أكتب اسم عبدالله ورقم تلفونك للرجوع إليك عند استلامه.
ذهبت أكثر من مرة لمنزل عبدالله بعد أن وصفه لي خالي ولم أجده وقد ذكر لي أحد المقيمين معه بالمنزل أنه ذهب إلى قريته في إجازة وقال موضحاً:
– عبدالله دائماً ما يتأخر بالرجوع، عنده مرض الحنين للوطن.
كنت أود أن أترك الجهاز مع أحد أصحابه كما أوصى خالي، إلا أنني حينما رأيت حال المنزل والفوضى التى تعِمّه آثرت أن آخذ معي الجهاز واحفظه حتى عودة عبدالله من الإجازة فكيف سيجده إن عاد وسط هذه الفوضى العارمة.
قلت لصديق عبدالله:
– اتصل عليّ عندما يعود عبدالله من الإجازة حتى احضر له الجهاز بنفسي حتى المنزل.
وافق صديقه وهو يُدوّن رقمي وودعته وغادرت المنزل.
مرّت عدة أيام وأنا يومياً اتصل على عبدالله مرةً وعلى صديقه مرات عديدة ولكن الحال ظل كما هو، تلفونه مغلق ولا يمكن الوصول إليه أغلب الأحيان وصديقه يؤكد عدم عودة عبدالله من الإجازة.
قررت ترك الجهاز بالسيارة لسهولة الوصول لمنزل عبدالله من مكان عملي، حتى نسيت أمره وظل الجهاز بالسيارة لعدة أسابيع.
أردت التأكد من عدم تلفه من طول مكوثه بالسيارة ففتحت الكرتونة لأجد الجهاز بحالة ممتازة، ولكن لا أدري مالذي دفعني لأن أقرأ الكتالوج المصاحب للجهاز، فوجدت أن الجهاز رغم حداثته إلاً أنه بسيط جداً في استخدامه.
جاءني اتصال من شقيقي من أبي وهو دائماً لا يتصل إلّا وهناك مصيبة كبيرة تنتظرني.
قال أخي:
– أبي مريض جداً.
قلت له:
– وين أمك؟
لعلمي أنه يهوّل الأمور ويضخمها دون داعٍ.
فرد أخي وقد فهم المقصود من سؤالي:
– أمي قالت اتصل عليك وأقول ليك الوالد تعبان فقد ذهبنا للمستشفى
المجاور وفحصه الدكتور و قال أنه مصاب بجلطة في الدماغ وطلب صورة أشعة مقطعية وهي غير متوفرة عندهم.
ووالدي انفصل عن أمي منذ زمنٍ طويلٍ وتزوّج من أخرى وله منها أولاد وبنات. مصابٌ بالسُّكر والضغط والكلسترول وأمراض أخرى كثيرة ولا يُراجع الأطباء إلا عندما تسوء حالته.
حذّره الأطباء من مغبة إهمال أمراضه وعدم الإلتزام بقواعد العلاج. ولكنه ما أن يُصاب حتى ولو بنزلة برد حتى يتصل عليّ شاكياً وطالباً مني أن احضر وبسرعة.
خاطبت أخي قائلاّ:
– ممكن تُوّصِف لي حالة الوالد لأنه مرات حالته بتكون بسيطة .
قال أخي:
– كلامه ثقيل وعيونه مغمضة لا يفتحهما إلّا بعد أن تصحّيه عدة مرات.
قلت له:
– ما مشكلة إن شاء الله خير.
خاطبت أخي معاتباً أنهم دائماً ما ينتظروا إلى أن تسوء حالة الوالد.
ردّ أخي:
– أن الوالد كان بخير شرب الشاي كالعادة بمُحّلي الشاي وأخذ حبوب
السُّكر والضغط وحبة الأسبرين ثم غفا قبل أن يصحو هكذا.
حمدت الله أنه ما زال حياّ. كان بيت والدي من الجهة الأخرى من النهر ويقتضي الأمر أن أعبر الكوبري بكل ازدحامه.
فقلت لأخي:
– نتقابل في مستشفى الميدان اختصاراً للوقت.
تحركت نحو مستشفى الميدان والذي يبعد حوالي عشرة دقائق بالسيارة.
كان الطريق مزدحماً كالعادة وكنت أدعو في سري أن يصل والدي حياً للمستشفي.
وأنا في طريقي للمستشفى حسبت مافي جيبي فوجدت أن كل ما بمحفظتى خمسمائة ألف جنية فاتصلت على صديقي عبد الكريم وشرحت له الوضع وأنني قد أحتاج إلى زيادة فلوس حال كانت الأشعة المقطعية بأكثر من ذلك.
وكعادته لا يتقاعس عن الواجب ولا يحني رأساً للريح فهو البحر حين تطلبه والغيث حين تسأله فردّ قائلاً:
– حمد لله على سلامة الوالد وأنا قريب من المستشفي بس أديني تلفون وحدد المبلغ المطلوب.
وصلت المستشفى وكان أخي والوالد قد وصلوا قبلي فقلت لأخي أن يبقى مع الوالد بالسيارة حتى أحضر كرسي متحرك أو نقالة.
وصلت صالة الاستقبال المزدحمة بالمرضى والمرافقين وليس فيها موضع قدم ولا مكان لترمي فية إبرة ناهيك عن البحث عنها في قش الصالة.
قال لي الطبيب ووجهه ينضحُ بالتعب رغم بشاشته الظاهرة:
– أنا لوحدي الآن فأرجو أن تسجل الحالة عند موظف الاستقبال ثم
تذهب للممرضة حتى تصنف حالة الوالد حسب درجة خطورتها.
وقفت إمرأة عجوز أمامي وهي تتوسل لموظف الإستقبال أن يخّفِض لها سعر صورة أشعة مقطعية لزوجها الجالس على الكرسي المُتحرك والذي يبدو عليه الإعياء والتعب.
لم أسمع رد موظف الإستقبال وكان يبدو عليه الأسف الشديد وهو يهمس لها بكلماتٍ لم اتبين منها سوي… خمسمائة ألف جنية يا والدة وترد عليه مندهشة خمسمامئة ألف؟
أخذت كرسياً متحركاً ورجعت إلى السيارة لأخبر أخي بالوضع داخل المستشفي والزحمة الشديدة.
لا أدري ما الذي دفعني لأسأل أخي حينما وقعت عيناي على جهاز قياس السُّكر بالمقعد الخلفي للسيارة:
– هل قاس الطبيب السُّكر لوالدي في المستشفى؟
فأجاب أخي نافياً. فأخذت جهاز السُّكر من فوري واتبعت الخطوات المطلوبة فقرأ الجهاز مقدار السُّكر في شاشته 40، وأشار الجهاز باللون الأحمر إلى وجود إنخفاض شديد بالسكر.
قلت لأخي :
– بسرعة أحضر عصيراً أو سكراً أو أي حاجة حلوة.
غاب أخي وعاد بسرعة و كنت وقتها أحاول ايقاظ الوالد بكل قوة.
فتح الوالد عينيه لأجد يد أخي تمد لي قارورة عصير مانجو مرّكز.
اخذت أعطي للوالد جرعات متتالية من العصير حتى شرِب العصير كله.
قلت لأخي أحضر لي أخرى.
فذهب أخي مسرعاً، وبعد برهة فوجئت بأبي يقول لي:
– أنا وين ؟
قلت له:
– الحمد لله أنت أمام مستشفى الميدان.
فقال لي:
– سامحني نحن دايماً تاعبنك معانا.
قلت له :
– الحمد لله والفضل لله ثم لخالي ..لا.. لا الفضل لله المسيطر
والمهيمن ثم لعبدالله الذي لم يعُد من الإجازة.
رجعت مسرعاً لصالة الانتظار لأضع ما بجيبي في يد المرأة العجوز وأنا أقول لها بصوتٍ هامسٍ:
– ما تكسفيني يا حاجة أنا زي ولدك ده لأشعة زوجك.
قالت وهي تأخذ النقود:
– الله يطوّل عمرك وعمر والديك.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.