روحانية العشق في «الأطلال».. أم كلثوم تجعل الغياب حضوراً

صحيفة الهدف

د. توتا صلاح

كلما سمعتُ أم كلثوم تغني:

أيها الساهر تغفو
تذكر العهد وتصحو
وإذا ما التأم جرحٌ
جدّ بالتذكار جرحُ

كان يتملكني إحساس غريب بأنني لا أستمع إلى أغنية حب فحسب. كان في الكلمات شيء من المناجاة، وفي صوت أم كلثوم ما يشبه الابتهال، حتى كدت أتوهم أن «الأطلال» قصيدة صوفية.

لكنها ليست كذلك بالمعنى الدقيق؛ إنها قصيدة حب وحنين وفقد، كتبها الطبيب والشاعر إبراهيم ناجي. غير أن ناجي يرتقي بالحب أحياناً من علاقته بالمحبوب إلى تجربة أعمق، قوامها الغياب والذكرى والوجع والتسليم بما لا تملك الذات تغييره. ومن هنا تنبع تلك الروحانية التي نشعر بها دون أن نستطيع دائماً تسميتها.

ولعل مفتاحاً مهماً لفهم هذا الإحساس يكمن في أمر قد لا يعرفه كثيرون: الأغنية التي نعرفها باسم «الأطلال» ليست القصيدة الأصلية وحدها.

فقد اختيرت لأم كلثوم أبيات من قصيدة «الأطلال»، وأُضيفت إليها أبيات من قصيدة أخرى لإبراهيم ناجي، هي «الوداع»، مع بعض التعديلات في الصياغة والترتيب. حتى المطلع الذي استقر في وجداننا:

يا فؤادي لا تسل أين الهوى
كان صرحاً من خيالٍ فهوى

كان في أصل القصيدة:

يا فؤادي رحم الله الهوى
كان صرحاً من خيالٍ فهوى

والفرق بين العبارتين ليس عابراً؛ فعبارة «رحم الله الهوى» تعلن موت الحب، بينما تترك عبارة «لا تسل أين الهوى» الحب في منطقة الغياب والسؤال، كأن الحب لم يمت تماماً، بل غاب وظل السؤال عنه مفتوحاً.

ثم تأتي «الأطلال» بوصفها المكان الذي بقي بعد انهيار الحب:

اسقني واشرب على أطلاله
واروِ عني طالما الدمع روى

لم تعد الأطلال هنا بقايا بيت أو مكان، بل أصبحت بقايا الحب نفسه. كان الحب صرحاً، ثم هوى، ولم يبقَ منه إلا ما تستعيده الذاكرة.

لكن في منتصف الأغنية تقريباً يحدث التحول الذي يكشف جانباً مهماً من سرها:

هل رأى الحب سكارى مثلنا
كم بنينا من خيالٍ حولنا
ومشينا في طريقٍ مقمرٍ
تثب الفرحة فيه قبلنا

هذه الأبيات، التي تبدو لنا جزءاً أصيلاً من «الأطلال»، هي في الحقيقة من قصيدة «الوداع».

وفجأة يتغير عالم القصيدة؛ فلم نعد أمام الخراب وحده، بل أمام لحظة حب مكتملة، يسودها السكر والفرح والخيال والقمر والطفولة. يبني العاشقان حولهما عالماً خاصاً، ويمشيان فيه حتى كأنهما يسبقان ظلهما.

ثم تأتي الإفاقة:

وانتبهنا بعدما زال الرحيق
وأفقنا ليت أنا لا نفيق

وهنا تبلغ التجربة ذروتها؛ فاليقظة ليست خلاصاً، بل لحظة سقوط الحلم:

يقظةٌ طاحت بأحلام الكرى
وتولّى الليل والليل صديق
وإذا النور نذيرٌ طالعٌ
وإذا الفجر مطلٌّ كالحريق

ما أعمق هذه المفارقة! فالنور الذي يُفترض أن يكشف الطريق يصبح نذيراً، والفجر الذي ننتظره خلاصاً يتحول إلى ما يشبه الحريق؛ لأن الحقيقة ليست دائماً أكثر رحمة من الوهم.

ثم:

وإذا الدنيا كما نعرفها
وإذا الأحباب كلٌّ في طريق

وهكذا يتحول الطريق الذي جمعهما إلى طريقين. ينتهي الحلم ويبدأ الفراق.

وعندما تعود الأغنية إلى أبيات «الأطلال»:

أيها الساهر تغفو
تذكر العهد وتصحو

نفهم الآن معنى التذكر بصورة مختلفة. فالذكرى ليست مجرد استعادة للماضي، بل هي حضور الغائب في القلب. وكلما حاول الجرح أن يلتئم، أعادته الذاكرة إلى الحياة:

وإذا ما التأم جرحٌ
جدّ بالتذكار جرحُ

ومن هنا، أظن أن إحساسنا بالنَّفَس الروحي في «الأطلال» ليس وهماً. فالكلمات تتحرك في دائرة تشبه رحلة داخلية: عشق، ثم وجد، ثم سُكر، فإفاقة، فغياب، فذكرى، ثم محاولة للنسيان.

لكنها لا تنتهي بالنسيان، بل بالتسليم:

يا حبيبي كل شيء بقضاء
ما بأيدينا خُلقنا تعساء
ربما تجمعنا أقدارنا
ذات يوم بعد ما عزّ اللقاء

ثم تأتي الجملة التي تبدو كأنها آخر ما تبقى للعاشق، بعد أن استنفد الحب والشكوى والرجاء:

ومضى كلٌّ إلى غايته
لا تقل شئنا فإن الحظ شاء

هنا يتراجع فعل الإنسان أمام القدر. أراد العاشق أن يمسك بالحب، ثم أراد أن يتحرر منه، قبل أن يدرك أن كليهما لم يكن تماماً في يده.

لهذا، ربما لا يكون السؤال: هل «الأطلال» قصيدة صوفية؟ بل الأدق أن نسأل: كيف استطاع إبراهيم ناجي أن يجعل العشق يتجاوز المحبوب إلى تجربة في الغياب والذكر والقدر؟

فالحبيب في البداية شخص، ثم يصبح ذكرى، ثم يغدو غياباً، قبل أن يتحول الغياب نفسه إلى تجربة يعيشها القلب.

ولعل هذا هو سر تلك الرجفة الروحية التي نشعر بها ونحن نسمع أم كلثوم تقول:

تذكر العهد وتصحو…

فالأطلال، في نهاية الأمر، لم تعد أطلال مكان رحل عنه الحبيبان، بل أصبحت أطلال زمن كامل يسكن الذاكرة. وكلما حاول القلب أن يطوي صفحته، أعاد التذكار فتح جرحه.

وربما لهذا لا تزال «الأطلال»، بعد كل هذه السنين، قادرة على أن تجعلنا لا نبكي على حب مضى فحسب، بل نتأمل في شيء أعمق: لماذا يكون بعض الغياب أكثر حضوراً من الحضور نفسه؟

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.