عبدالمنعم مختار
لم تكن كلمة «النقادة» في الذاكرة السودانية مجرد تسمية لأقباط قدموا من صعيد مصر، وإنما كانت واحدة من المفردات التي تختصر حكاية سودانية أعمق؛ حكاية وطن عاش فيه الناس معاً قبل أن تسألهم السياسة عن قبائلهم، أو تسألهم الطائفية عن أديانهم.
من شندي إلى الخرطوم، ومن أم درمان وبحري إلى عطبرة وبورتسودان ومدني والأبيض وكسلا والدمازين ونيالا، انتشرت الأسر القبطية، ودخلت الأسواق والورش والمصانع والمكاتب والمدارس والمستشفيات والصحف والتلفزيون، وأصبح حضورها جزءاً من الحياة اليومية للمدن السودانية.
كانوا تجار أقمشة وخردوات، وأصحاب مكتبات وصيدليات، وتجار أدوية ومواد بناء، وأصحاب ورش ومطابع ومخابز ومحال للذهب والمجوهرات، ومهنيين في مجالات الطب والهندسة والتعليم والمحاسبة وغيرها.
وفي الذاكرة الشعبية أسماء كثيرة أصبحت جزءاً من ذاكرة المدن، مثل حزقيال توفيق وإدوارد سمعان في شندي، وعائلات سوارس وأبسخرون وسيدهم وميخائيل، ولمعي ونبيل غالي وإدمون منير، وغيرها من الأسماء في مدن مختلفة، إلى جانب شخصيات قبطية ارتبطت بالتجارة والتعليم والطب والصناعة والثقافة. ولم تكن قيمة هذه الأسماء في ديانتها، وإنما فيما قدمته للمدن التي عاشت فيها.
وفي الخرطوم وأم درمان، عرف السودانيون أجيالاً من الأطباء والصيادلة والتجار وأصحاب الأعمال الأقباط، كما عرفوا أسماء قبطية في الصحافة والفن والأدب والتعليم. وفي المدن الصناعية والتجارية، من عطبرة إلى بورتسودان ومدني والأبيض، كان المحل القبطي جزءاً من السوق، كما كانت الصيدلية والورشة والمكتبة ومخازن مواد البناء أماكن مألوفة في حياة الناس.
ولم يتوقف الحضور القبطي عند الاقتصاد والمهن، فقد عرف السودان سياسيين ومثقفين وفنانين وأدباء ومهنيين من أبناء هذا المكون، أسهموا في الحياة العامة والثقافية والفنية، شأنهم شأن بقية السودانيين.
والأجمل في هذه الحكاية أن السودانيين، في فترات طويلة، لم يكونوا يتعاملون مع جيرانهم وفقاً لبطاقة الدين، بل وفقاً للمعرفة والثقة والجيرة وحفظ الأمانة.
كان المسلم يشتري من التاجر القبطي، والقبطي يستأمن المسلم على تجارته، ويتجاور الناس في الأحياء، ويتشاركون الأفراح والأتراح، ويقفون معاً في السوق والمدرسة والمستشفى ومناسبات الحياة.
لم يكن اختلاف الدين مانعاً للصداقة، ولا اختلاف القبيلة حاجزاً أمام التجارة.
وهنا تكمن إحدى أجمل مفارقات السودان: بلد شديد التنوع، لكنه استطاع، في مراحل كثيرة، أن يجعل التنوع عادة يومية لا معركة هوية.
لذلك، فإن استعادة حكاية «النقادة» ليست استعادة لتاريخ الأقباط وحدهم، وإنما هي استعادة لجزء من التاريخ السوداني المشترك؛ تاريخ كانت فيه المواطنة تُمارس قبل أن تُكتب في الدساتير.
وفي زمن الحرب والكراهية والاستقطاب، نحن أحوج ما نكون إلى تذكّر تلك الذاكرة.
فالسودان الذي نريد استعادته ليس السودان الذي يسأل جاره: «أنت من أي قبيلة؟ وما دينك؟»، بل السودان الذي يقول ببساطة:
أنت جاري… وهذا يكفي.
فربما كان السودان، في أجمل أيامه، يعرف الناس بأسمائهم وأخلاقهم ومواقفهم، لا بطوائفهم وأصولهم.
تلك هي حكاية «النقادة»… وحكاية السودان الذي كان يتسع للجميع.

Leave a Reply