طارق عبد اللطيف أبو عكرمة
النص الذي نقرأه هو «البعث العربي حركة تاريخية»، وهو حديث ألقاه القائد المؤسس ميشيل عفلق في مكتب الحزب بدمشق، بمناسبة زيارة شباب البعث الجامعيين من بيروت، في 26 فبراير 1950، ونُشر لاحقًا في كتاب «في سبيل البعث». واختيار الشباب الجامعي ليس عابرًا، بل هو اختيار تربوي يكشف عن رؤية القائد المؤسس ميشيل عفلق لدور الطلاب بوصفهم طليعة للأمة: وعيًا متقدمًا، وطاقة خلاقة، وإرادة صامدة.
فالحديث لا يقتصر على الجانب التنظيمي، بل يمتد إلى الجانب التربوي: كيف يفكر الشباب؟ وكيف يواجهون الصعاب؟ وكيف يحافظون على الوعي والإيمان معًا؟ وخطاب القائد المؤسس ميشيل عفلق لا يقوم على التلقين، بل على الحوار؛ إذ يطرح أسئلة، ويفتح آفاقًا، ويخاطب العقل والوجدان معًا. وهذا ما يفسر، وفق هذه القراءة، لماذا ظل النص حاضرًا بعد أكثر من سبعة عقود؛ لأنه لا يخاطب جيلًا بعينه، بل كل جيل يريد أن يحمل الرسالة.
جاء الحديث في ظرف سوري شديد الاضطراب، شهد ثلاثة انقلابات عسكرية في عام 1949. وفي هذا السياق، لم يكن سؤال القائد المؤسس ميشيل عفلق متعلقًا بالنجاح الظرفي، بل بما يمنح الحركة قدرتها على الاستمرار والتجدد. ومن هنا يصبح مفهوم «الحركة التاريخية» معيارًا لا مجرد وصف.
أولًا: الأصالة بين الانغلاق والاستيعاب
يقول القائد المؤسس ميشيل عفلق إن البعث «ليس مستوردًا ولا مقلدًا»، لكن الأصالة لا تعني رفض كل ما هو خارجي، بل تعني الاستيعاب النقدي؛ أي أخذ ما ينفع، وترك ما يضر، وتحويله إلى ثمرة تحمل بصمتها الخاصة. فالحركة التي ترفض كل ما هو خارجي تتحول إلى جمود، والتي تقبل كل ما هو خارجي تتحول إلى تقليد. أما الحركة الأصيلة، فهي التي تستوعب وتبدع، وتبقى وفية لجوهرها، منفتحة على العالم.
والأمة العربية، في نظر القائد المؤسس ميشيل عفلق، ليست كيانًا ثانويًا في التاريخ، بل أمة حملت رسالة إلى العالم، وتعرف كيف تمزق «الأثواب الكاذبة» التي تُفرض عليها.
ثانيًا: الرسالة الخالدة.. من مفهوم إلى مشروع
الرسالة ليست عقيدة دينية تُفرض، ولا تفوقًا عرقيًا يُستخدم للسيطرة. إنها قدرة على العطاء الحضاري، وإرادة للتحرر، والتزام بقيم العدالة والحرية. وقد صاغ القائد المؤسس ميشيل عفلق هذا المفهوم في محاضرته «في ذكرى الرسول العربي» عام 1943، حيث تحدث عن الإسلام بوصفه تجربة واستعدادًا دائمًا.
لكن الرسالة لا تتحول إلى مشروع إلا عبر ثلاث مراحل:
- الوعي بالرسالة: أن تدرك الأمة أنها كيان له دور في التاريخ.
- ترجمة الرسالة إلى أهداف: أن تتحول إلى برنامج عمل، يتمثل في الوحدة والحرية والاشتراكية.
- المؤسسة التي تحمل الرسالة: أن توجد آليات تحول الرسالة إلى فعل يومي.
فالرسالة بلا مؤسسة تتحول إلى حنين، والمؤسسة بلا رسالة تتحول إلى جهاز. أما الحركة التاريخية فتجمع بينهما.
ثالثًا: الوعي والإيمان.. ثنائية القوة
يميز القائد المؤسس ميشيل عفلق بين الوعي، الذي يتمثل في التطلع إلى المستقبل والروح العلمية والتفكير المنظم، والإيمان، الذي يتمثل في الثقة الداخلية والقوة الحيوية والقدرة على الاستمرار. والعلاقة بينهما تكامل، لا فصل بين العقل والروح.
وقد استطاع البعث، بإمكاناته المحدودة، أن يتغلب على أحزاب تمتلك النفوذ والوجاهات. وهذا، وفق قراءة الكاتب، لا يعود إلى قوة مادية، بل إلى قوة معنوية مصدرها الوعي والإيمان معًا، والزهد في القوى الكاذبة.
رابعًا: الانقلاب بوصفه تحولًا وجوديًا
الانقلاب، عند القائد المؤسس ميشيل عفلق، ليس خطة سياسية لتنظيم المجتمع، بل هو «سر النفسية الجديدة في حياة العرب». إنه تحول وجودي في شخصية الإنسان العربي، وقطيعة مع الواقع الفاسد، وبداية لتربية الذات من جديد.
والعرب، وفق هذا التصور، لا يصلون إلى أهدافهم إلا إذا ساروا في «طريق معاكس» لهذا الواقع. ويتطلب هذا الطريق:
- رفض التطبيع مع الفساد: عمليًا، لا كلاميًا.
- بناء البديل: من خلال مؤسسات وعلاقات وقيم بديلة.
- الصبر الثوري: الدأب المشبع بالإيمان.
- الوعي بالتاريخ: أن يعرف الإنسان أنه جزء من مسار، وأن جهده لن يضيع.
خامسًا: الرسالة الطويلة والوعي التاريخي
يعترف القائد المؤسس ميشيل عفلق بأن الحركة قد تواجه تباطؤًا، لكنه يفسره بطبيعة الرسالة الطويلة. فالحركة ملزمة بأن توجد تنظيمها ووسائلها من «لحمها ودمها»، وهذا يستغرق وقتًا.
والوعي التاريخي شرط للبقاء؛ فالحركة التي تحافظ عليه تصنع التاريخ، والتي تنساه تصنعها الظروف. وهذا الوعي، في هذا التصور، هو ما يجعل البعث قادرًا على تجاوز مراحل الضعف.
سادسًا: اختبار الحركة التاريخية اليوم
بعد أكثر من سبعة عقود، لا تكمن أهمية النص في ترديد مفاهيمه، بل في اختبار شروطها. فالأصالة وحدها لا تكفي، والاستمرار الزمني لا يكفي. والحركة التاريخية تحتاج إلى قدرة متجددة على فهم الواقع، وإنتاج المعرفة، وتطوير التنظيم، وتحويل المبادئ إلى ممارسة.
وهنا يبرز السؤال الأهم: ما الذي يعنيه اليوم أن تكون الحركة «تاريخية»؟ هل يكفي أن تحمل الفكرة ذاتها، أم أن التاريخية تتطلب إعادة إنتاج القدرة على الفهم والعمل والتجدد؟
سابعًا: قراءة في الحاضر والمستقبل
إن قراءة هذا النص اليوم لا يمكن أن تكون مجرد تأريخ لفكرة، بل هي استدعاء لمعيار فلسفي يميز بين الحركات التي تصنع التاريخ والحركات التي تصنعها ظروفها. ففي زمن تتسارع فيه التحولات، تظل الحاجة قائمة إلى حركة تمتلك الوعي والإيمان معًا، وتستطيع أن تسير في «طريق معاكس للواقع الفاسد»، وهي حاجة عميقة في واقعنا العربي.
ومن قراءة حديث القائد المؤسس ميشيل عفلق للانقلاب بوصفه اتجاهًا معاكسًا للواقع القائم، يمكن أن نستخلص أن المستقبل عنده ليس مجرد امتداد تلقائي للظروف، وإنما نتيجة لفعل الإنسان في الواقع ومحاولته تغييره. وهذه نتيجة تستخلصها القراءة من النص، ولا ينبغي تقديمها باعتبارها عبارة وردت فيه حرفيًا.
وهو يضع أمام الجيل العربي الجديد خيارًا مصيريًا: إما أن يبقى أسير ردود الأفعال، وينتظر أن تغيره الظروف، وإما أن يصبح فاعلًا في التاريخ، ويغير الظروف بنفسه.
وربما كان التحدي الأكبر الذي يواجه الجيل العربي اليوم هو استعادة هذا «الجوهر السليم» الذي تحدث عنه القائد المؤسس ميشيل عفلق، لا عبر استنساخ تجارب الماضي، بل من خلال إعادة قراءتها بروح العصر، وتحويل دروسها إلى مشاريع عملية تتناسب مع متطلبات الحاضر وتستشرف آفاق المستقبل.
فالبعث العربي، بوصفه حركة تاريخية، لا يُقاس ببقائه في الماضي، بل بقدرته على التجدد في الحاضر، واستشراف المستقبل، والإسهام في صناعة تاريخ جديد للأمة العربية.
وهنا يبرز السؤال الأعمق: هل ما زال البعثيون يدركون أن «الانقلاب هو سر هذه النفسية الجديدة في حياة العرب»، وأن العرب لا يمكن أن يصلوا إلى أهدافهم إلا إذا ساروا في طريق معاكس لهذا الواقع المريض؟ أم أن الحركة، كما يحدث لكثير من الحركات التاريخية، أصبحت أسيرة لحظتها الراهنة، وفقدت قدرتها على تجاوز ذاتها والارتباط بجوهر الأمة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت حركة البعث ستظل «حركة تاريخية» قادرة على صناعة المستقبل، أم أنها ستتحول إلى مجرد «حركة عابرة» تموت حين تموت ظروفها.
والمستقبل، كما يعلمنا التاريخ، لا ينتظر الأمم التي تكتفي بوصف أزماتها، بل يفتح أبوابه للأمم التي تمتلك مشروعًا واضحًا، وتؤمن برسالتها، وتعرف ماذا تريد أن تضيف إلى العالم.
خلاصة
يكشف النص عن تصور يتجاوز تعريف الحركة بالحزب أو التنظيم. فالحركة التاريخية هي التي تستمد أصالتها من واقع الأمة، وتجمع بين الوعي والإيمان، وتطور وسائلها من داخل طبيعتها، وترى في التغيير تحولًا يبدأ من الإنسان ولا ينتهي عند حدود السياسة.
لكن قيمة النص اليوم لا تكمن في إعادة إنتاج ألفاظه، بل في تحويل مفاهيمه إلى أسئلة نقدية: كيف نحافظ على جوهر الفكرة دون تقليد؟ وكيف نطور الوسائل دون فقدان الغاية؟ وكيف يتحول الإيمان إلى وعي، والوعي إلى عمل، والعمل إلى تجربة قابلة للمراجعة؟
فالتاريخ لا يُستعاد بتكرار الماضي، وإنما بإنتاج قدرة جديدة على فهم الحاضر وصناعة المستقبل.

Leave a Reply