د. نابغة محمد نجيب
أم درمان، تلك المدينة التي تملك طابعًا فريدًا لا يدركه إلا من وُلد وتشبّع ونشأ بين حواريها وأزقتها. فأبناء أم درمان يمتلكون تعصبًا خفيف الظل تجاه موروثهم الأم درماني. تجدهم يعشقون أحيانًا المشي بلا هدف في شوارعها، يلمحون في تلك الأزقة فصولًا من حياتهم كُتبت كرواية ومسرحية وسيناريو.
للدخول في عمق أم درمان فبوابة ذلك سوق أم درمان، فأم درمان كلها بُنيت حول السوق وليس العكس.
من عهد الخليفة عبد الله التعايشي الذي اختار مكان السوق قبل أن يختار مكان بيته، لأن السوق هو البرلمان الشعبي وهو النبض والمدرسة والجامع.
لنتعرف على ذلك الكائن الأسطوري نبدأ من ناحية سوق العناقريب، فهناك نجارة العناقريب بشكلها الكلاسيكي وأول حصة نجارة في تاريخ التعليم قبل أن نسميها تعليمًا حرفيًا.
أما اللغة في سوق أم درمان فهي قواميس موزعة بين المهن المتعددة:
لغة النجارين: “فارة، بوصة” لغة من فطرة الهندسة.
لغة العطّارين: “قرنجال، محلب، شب، مجموع، حرجل” لغة الطب الشعبي.
لغة الحرفيين: “مركوب، سعف، طاقية” لغة هوية.
فكل دكان وكل حرفة لها لغتها وموسيقاها وهويتها وأصالتها.
في سوق أم درمان، الهوية هنا ليست لغة تُسمع بالأذن فقط، بل رائحة تعبق في الأنف وتحفر مسارات أبدية في خلايا الدماغ.
في الأذن تسمع الطرقات على القطع النحاسية عند صناع الحُلي، وبالأنف رائحة اللبان والبخور من سوق الريحة لسوق الذهب.
سوق أم درمان بأصواته المتناغمة بين طرقٍ ونداء هو أرشيف صوتي حي ونبض السوق.. لو صمت لاختفت لغة وهوية كاملة.
حمل السوق في ذاكرته أحداثًا مهمة ولحظات فاصلة. حيث تقول الروايات إنه احترق وأُعيد بناؤه ٣ مرات من ١٨٩٨ إلى ١٩٥٦، والآن بعد حرب ٢٠٢٣. لكنه عنقاء، يرجع كل مرة بنفس الأزقة والأسماء ونفس التجار المعروفين والفرّاشة وموقف المواصلات والتاكسي التعاوني العتيق. هذه ثقافة أخرى، ثقافة المقاومة، “أرضًا سلاح” لكن بالتجارة وبالأصالة الأم درمانية.
سوق أم درمان هو السودان كله، هو الفوراوي والحلفاوي والمسيري والشايقي والرشيدي والنقادي والزغاوي وعاشرهم الأرمن والشوام…، كلهم يعيشون داخل هذا الحيز ويتكلمون لغة واحدة اسمها “ده بكم” و “يفتح الله ويستر الله” و “الله يكرمك” و”صلي علي النبي”، وفيه يبحثون عن السلام.
فمن لم يقرأ ويسمع ويستنشق روح أم درمان في سوقها ، لم يقرأها في كتب مكتبة البوستة وميدان المولد وراتب المهدي. ومن أحبها أحب السودان كله

Leave a Reply