عبدالعزيز الجنيد
أولاً، نلاحظ في مصطلحات علم الجمال أن مفردة (القبح) لم ترد أبداً كنقيض لمفردة الجمال؛ فالتعريف الجمالي للقبح هو مرحلة متخلفة من الجمال، باعتبارها مرحلة قابلة للسكون والثبات، أو قادرة على التطور والانعتاق من المنظور الجمالي. ومن هذا الفهم ليس هنالك فن هابط، فهذا المصطلح غير دقيق في التوصيف الجمالي.
فعلى سبيل المثال، هنالك ظاهرة جديرة بالقراءة والتحليل، وهي ما يطلق عليها شعبوياً ظاهرة (القونات). وهذه الظاهرة يمكن قراءتها من جوانب مختلفة؛ أولاً: ضعف مفردة الغناء، وسطحية اللحن الموسيقي. ولكن هنالك جانباً آخر يمكن ملاحظته في الأداء لأولئك المغنيات، ويمكن تصنيفه بالأداء الدرامي أو ما يعرف بالعرض المسرحي الاستعراضي.
إذن نحن أمام ظاهرة متنامية بشكل مضطرد، ولها جمهورها من المعجبين والمريدين والمحبين. وفي اعتقادي أن الشروط الموضوعية لهذه الظاهرة متوفرة اجتماعياً وفي ازدياد مستمر، ويرجع ذلك للانقسام (الثنائي) في الوعي الجمعي السوداني.
فهناك وعي جمعي متطور بمصطلح (التجاوز) الإبداعي الذي يؤسس لخلق ذاكرة جمالية أكثر تطوراً بالمخزون الجمالي المتراكم في تلك الذاكرة، وهذا هو الفن المتطور في الشكل والمضمون.
قونات الغناء… وقونات الإعلام بينما نلاحظ في الجانب النقيض، أي الوعي الزائف، وفي هذا الجانب بالتحديد يكمن الفن (المتخلف جمالياً)، ومنظومة متكاملة تضم بداخلها شعراء الخطاب الشعري (الركيك). وهذا الوعي الزائف لم يقتصر على القونات فقط، فـ(القوننة)، لو صح التعبير، قد بدأت تأخذ طابعاً منهجياً داخل الإطار الزائف.
فهي لم تقتصر على الغناء فقط، إذ نلاحظ الآن شكلاً مستحدثاً من منهج (القوننة) وبشكل مضطرد فيما يعرف بقونات الإعلام. وهذا المنهج لم يكن حصرياً على المرأة فقط، فهنالك (أقوان) أيضاً في الإعلام. والحقيقة أن هذه الظاهرة هي نتاج تخطيط متعمد وممنهج من سياسات الأنظمة الاستبدادية لتغييب العقل الجمعي.
هامش:
حوار درامي مع قونة: ذات يوم كنت في حفل، فاستمعت إلى المغنية (القونة). كانت لها إمكانيات صوتية عالية، وصوت مميز جمالياً لدرجة مدهشة. وبعد انتهاء الحفل التقيت بها وقلت لها: “صوتك جميل ومميز، يكون أفضل لو تعاملتِ مع شعراء كبار”. قالت لي القونة: «تصدق يا أستاذ، أنا قبل كدة مشيت لشاعر كبير، طلبت منو يكتب لي أغنية، قال لي: أنا شاعر محترم، معقول أكتب أغنية لقونة؟!»
تساءلت مع نفسي: هل المشكلة في القونة؟ لا أعتقد. هل المشكلة في الشاعر أم في المثقف الذي لا يعي دوره في العملية الإبداعية؟ أعتقد ذلك.

Leave a Reply