نادر السماني
يمثل الخطاب الروائي في «الجدران القاسية» للأديبة ملكة الفاضل نموذجاً متميزاً للتشكيل الأسلوبي والسيميائي؛ إذ تتجاوز الكاتبة جعل اللغة مجرد وسيط إخباري محايد، لتحولها إلى ساحة صدام حيّ بين جبروت الاستبداد ومقاومة الضحية. تنهض الرواية على توتر أسلوبي يتنازع فيه إيقاعان لغويان: إيقاع الفعل الصادم في مشاهد التنكيل، وإيقاع التدفق الشاعري المجازي الحامي لكرامة الكائن البشري.
١. توتر الإيقاع البنائي وسيميائية الجسد
-
الجمل الفعلية المتقطعة وسرعة الصدمة: تنكسر البلاغة الممتدة داخل غُرف التحقيق لصالح أفعال ماضية لاهثة تُسقط أدوات العطف الطويلة لترسيخ مادية الإيذاء في وعي القارئ، مثل: «وجد صلاح نفسه يطير في الهواء»، «عاجله بضربة على بطنه»، «توالت الضربات على رأسه وصدره». يحاكي هذا الإيجاز الحركي لهاث الجسد ومباغتة السقوط الجسدي.
-
التدفق الاستعاري في عزلة الزنزانة: بمجرد انغلاق باب الزنزانة وعودة صلاح إلى عزلته، يتباطأ الإيقاع مفسحاً المجال جمل اسمية وتأملات تنبع من تيار الوعي، حيث يشخّص الجماد بوصفه كائناً معادياً: «الحائط المائل أمامه كجدار الليل»، «الجدران تبتلع أنفاسه».
-
مسرحة الجسد المنتهك: تسعى أجهزة القمع إلى تحويل جسد المحامي صلاح محمد أحمد إلى مساحة للإخضاع المادي عبر إطفاء أعقاب السجائر على الصدر، ونزع الأظافر، وسلخ الظهر بالسياط، وتلطيخ الجلباب بالدماء. يُعطِّلُ صلاح هذه الوظيفة الترهيبية عبر «الصمت المطبق وزمِّ الشفتين»؛ مِمَّا يَحُوِّلُ الجسدَ المُهشَّم إلى علامة انتصار خُلْقي تُفحِمُ الجلاد وتجرده من نشوة السحق.
٢. المستوى التداولي: لغة الزبانية وفضح هوية الاستبداد
لا تأتي حوارات الجلادين اعتباطية، لكنها ترسم تشريحاً دقيقاً لطبائعهم المُشوَّهة:
-
لغة التشييء والتبلد الوظيفي (تمساح): يَختزل الإيذاء في قوله: «لا يا سعادتك.. أصلو شغل.. أوامر.. أكل عيش». يكشف هذا الملفوظ تحوله إلى أداة بيولوجية صمَّاء تنفذ القهر بروتينية تخلو من أي وازع خلقي أو إدراك مجازي.
-
لغة الصلف واحتكار الفضاء العام (المحقق): تتجلى عقلية الشمولية في صيحته: «نحن المسؤولون عن أمن هذا البلد.. ولنْ نسمحَ لكَ باستجوابنا»، وصولاً إلى استباحة الحيز الحميمي: «هنا لا توجد خصوصيات.. فكل ما يخصك هو ملك لنا نحن». ويمكن ملاحظة ورود الضمير «نحن» الذي يؤكد الضمير «نا» في «لنا» في إحساس عميق بعدم ثقتهم رغم ادعاءات السطوة.
-
لغة التبرير والانشطار القيمي (الرائد الطيب): يتدثر بشعارات «أمن الوطن والبلاد»، بينما يفضحه وعيه الشقي باعتراف استغاثي حارق: «بين هذه الجدران يوجد ما هو أسوأ من الضرب ومن هم أرذل من تمساح وزبانيته».
٣. خطاب المعتقلين: التناص الثقافي بوصفه سلاحاً للمقاومة
لم يكن منطوق المعتقلين استسلاماً، لكنه كشف عن عمق تكوينهم؛ حيث تجلَّت في لغة صلاح حمولة تناصية واعية تنبع من خلفيته المعرفية بوصفه محامياً مثقفاً ونبتةً أصيلة لـ «مكتبة الأجيال» بأم درمان:
-
التناص السياسي ومساءلة الاستبداد (صدى الكواكبي): يستدعي صلاح في مقالاته مقولة اللورد أكتون التي تتقاطع بنيوياً مع جوهر كتاب «طبائع الاستبداد» لعبد الرحمن الكواكبي: «السلطة المطلقة تفسد فساداً مطلقاً». لا يقف التناص عند حدود الترف النظري، إذ يتحول إلى سلاح مواجهة داخل غرفة التحقيق؛ فحين يتوعده المحقق سائلاً: «هل السلطة الحالية سلطة مطلقة؟ تكلم وإلا…»، يجيبه صلاح بسخرية هادئة مُفحمة: «ألا ترى بأنك قد أجبت على السؤال بنفسك؟»، ليجعل من بطش المحقق دليلاً عملياً على فساد السلطة ومطلقيتها.
-
التناص الوجودي وشفرة «زينب» (أطياف الطيب صالح وشكسبير): يستحضر استجواب صلاح حول «زينب» صراع مصطفى سعيد في قفص الاتهام بـ «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح في استدعائه لأقنعة عطيل شكسبير؛ حيث يتكرر جدل الوهم والحقيقة:
-
«زينب أكذوبة.. زينب ليست أكذوبة.. زينب مجرد خيال.. بل هي الواقع مجرداً.. زينب وهم.. بل زينب حقيقة.. زينب عدم.. إنها الوجود ذاته.. إذن فأين زينب؟ فيزم شفتيه ولا يقول شيئاً».
-
هذا التقابل يرتقي بـ «زينب» من مجرد محبوبة مفقودة إلى معادل رمزي للوطن وللحرية المشتهاة؛ فالجلاد يراها تنظيماً تآمرياً، والمثقف يراها «الوجود ذاته» الذي يعصمه صمته من التسليم أو الابتذال.
-
-
أصوات المقاومة المتباينة: تتكامل لغة صلاح مع صوت المعتقل «الأصلع» الذي يواجه السياط بالشتيمة المدوية؛ بوصفها سلاحاً رمزياً أخيراً يعلن أن الجسد وإنْ تهشم فإنَّ صوته يأبى الركوع. يقابل ذلك خرس الفتى الصغير في المستشفى؛ شاهداً مأساوياً على عجز المفردات حين يبلغ هول الانتهاك مداه.
٤. ملاذ الدفتر والشعر المضاد
تبلغ المواجهة الأسلوبية ذروتها حين يلجأ صلاح إلى دفتره الصغير لتدوين نصه الشعري المقاوم: «عذبوني / قلعوا مني الأظافر / صنعوا من جلدي مطفأة سجاير / جعلوني كرة يرمي بها / آتٍ لعابر».
يتحول الشعر هنا إلى آلية ترميم نفسي؛ فالضحية تسترِد كينونتها المُستلَبة عبر ترويض الألم وصياغته جمالياً، لتثبت الرواية أنَّ ثقافة الكائن ليست قناعاً مستعاراً، لكنها الحصن الأخير الذي يقهر محاولات الإلغاء والتطويع.

Leave a Reply