كلمة العدد: المبدعون وحياتهم الثقافية اللاجئة

صحيفة الهدف

بعد أن دمرت الحرب المجنونة مؤسسات الثقافة والإبداع، ضمن غيرها من مؤسسات الدولة والمجتمع، وشتت شمل المواطنين، بمن فيهم المثقفون، ضمير الشعب وذاكرته النابضة بالحياة والعنوان، بين الملاجئ ومراكز النزوح، أو على أعتاب الشهادة، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر.
وجد المبدعون، والمشتغلون في ميدان الثقافة، أنفسهم في بيئة، ووسط جديدين ومختلفين. وكان عليهم أن يمارسوا حياتهم كمثقفين، مرة أخرى، في الغربة، بعيدًا عن جمهورهم، الوسط الطبيعي الذي يحيون فيه، ويتنفسون، أن يتشبثوا بالبقاء، لمقاومة الفناء و”الموت المكسر”.
كان محصلة كل ذلك ما يمكن أن نسميه – مجازًا – بالثقافة اللاجئة أو النازحة، تبعًا لوضعية الفنان الاضطرارية، الطارئة، وإن لم تكتمل بشكل تام ملامحها وسماتها، فهي لا زالت قيد التكوين، من معاناة البعد عن الوطن ومن مغالبة الحنين إليه.
كان عليهم أن يؤكدوا أنفسهم، وفاعليتهم إزاء التحدي الوجودي الذي يحاصرهم، ويتربص بهم.
كانت القاهرة إحدى المراكز التي شهدت تجمعًا فاعلًا للمبدعين. ليس لتأكيد حضورهم، وإنما لمقاومة الغياب والتغييب القسري، من ناحية، وإثراء الحياة الثقافية، وإبقاء شعلتها مضيئة، من الناحية الأخرى، بما توفر لديهم من إمكانات وأدوات. لقد أحيا الفنانون والكتاب، أيام وليالي القاهرة، بالأمسيات العامرة بحفلات الغناء والموسيقى، والمساجلات الفكرية بين يدي تدشين الإصدارات الجديدة من الكتب، والمعارض.
وأصبح هناك نجوم هم ممثلو الجيل الصاعد، جيل المقاومة. ولم تكن القاهرة غير مثال لما آل إليه الحال، ووضع المثقفين أمام تحدي أن يكونوا، وأن يكون الوطن شامخًا، صامدًا في مواجهة المحن. ففي الخليج، العشرات من السودانيين، الذين يصدحون باسم الوطن، ليلًا ونهارًا، يشدون من عزيمة أهله، ويستبشرون، ويبشرون بالقادم على أجنحة الفجر البهي. في السودان وخارجه، تنتظم العديد من الجماعات، لتكتب أن الثقافة تقود الشعوب، لأنها إبداع وحرية، وتمرد بغير حدود.
السلام هو الأمل الذي يحدو هذا الحراك ويصوغ لحن العودة، للوطن المعافى.
قد يمر وقت غير قصير حتى يتسنى لتجارب السودانيين، في النزوح واللجوء والنفي، وغيرها من أشكال المعاناة المرتبطة بالحرب، أن تتبلور في صيغ فنية، تعبر عن فرادة السردية السودانية، وإنسانيتها. كما قد يصعب في الوقت الراهن حصر محصلة الفعاليات الثقافية، في المنفى خصوصًا، وتحديد مدى تأثيرها، على الإنسان السوداني وهو يصارع من أجل ضمان مستقبله، وصياغته من رماد الحاضر.
مرفوع الهامة يمشي،
منتصب القامة يمشي،
يمشي…

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.