منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، لم تعد تصريحات الفريق عبد الفتاح البرهان مجرد مواقف سياسية متغيرة، بل أصبحت سلسلة من التعهدات التي يصعب فصلها عن واقع مختلف تماماً على الأرض. ففي أعقاب الانقلاب، تعهد البرهان أمام الشعب والمجتمع الدولي بإكمال الانتقال الديمقراطي، وإجراء الانتخابات في موعدها، وتسليم السلطة إلى حكومة مدنية، مؤكداً أن الجيش لن يكون طرفاً في العملية السياسية بعد المرحلة الانتقالية.
لكن الوقائع سرعان ما ناقضت تلك الوعود. فالانقلاب نفسه أطاح بالترتيبات الدستورية التي كان يفترض أن تقود إلى الانتقال المدني، وهو ما دفع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي إلى المطالبة بالعودة إلى المسار الدستوري والمدني.
ثم جاءت الحرب في أبريل 2023، لتتحول الوعود السياسية إلى تعهدات عسكرية وإنسانية. ووقّعت القوات المسلحة والدعم السريع في جدة اتفاقات تضمنت وقفاً لإطلاق النار، وحماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات، والامتناع عن تحقيق مكاسب عسكرية أثناء فترات الهدنة.
غير أن الاتفاقات لم تتحول إلى واقع. وحتى الالتزامات التي جرى تجديدها في جدة في نوفمبر 2023، بشأن حماية المدنيين وتسهيل العمل الإنساني، ظلت في معظمها غير منفذة، وفق تقييمات دولية.
المشكلة هنا ليست في أن البرهان غيّر رأيه مرة أو أخطأ في تقدير موقف. المشكلة في الفجوة المتكررة بين الخطاب والممارسة: خطاب أمام المجتمع الدولي يتحدث عن السلام والحوار، وخطاب داخلي يجعل الحسم العسكري شرطاً سابقاً لأي عملية سياسية.
ففي فبراير 2024، أعلن البرهان أن لا عملية سياسية قبل انتهاء الحرب واستعادة الجيش السيطرة على الأراضي التي يسيطر عليها الدعم السريع، بما فيها دارفور والجزيرة، وهو شرط يجعل إنهاء الحرب مرتبطاً أولاً بتحقيق نتيجة عسكرية.
وهنا يصبح السؤال أكبر من شخص البرهان: إلى متى يمكن أن يستمر السودان في دفع ثمن التناقض بين خطاب السلطة وممارستها؟
فالسودانيون لا يموتون في البيانات والمؤتمرات، بل في المدن والقرى. ولا تُهدم الدولة في التصريحات، وإنما عندما يصبح استمرار الحرب بديلاً عن السياسة، وعندما تتحول الهدن إلى فترات لإعادة ترتيب الصفوف، وتتحول تعهدات حماية المدنيين إلى أوراق موقعة لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
لقد أصبح المشهد أشبه برقصة سياسية فوق جسد وطن ينزف: تعهد بالانتقال، ثم انقلاب؛ حديث عن السلام، ثم استمرار للحرب؛ توقيع على التزامات إنسانية، ثم عجز عن تحويلها إلى واقع؛ وحديث عن الحوار، بينما يبقى منطق الحسم العسكري حاضراً.
والخطر الأكبر أن يدفع المجتمع الدولي ثمن هذا التناقض من خلال التعامل مع التصريحات باعتبارها مواقف نهائية، بينما يحتاج السودان إلى شيء أبسط وأكثر وضوحاً: التزام قابل للقياس والتنفيذ، ووقف فعلي للحرب، ومسار سياسي مدني لا يخضع لمنطق البندقية.
فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من الوعود.
السودان يحتاج إلى أن تتوقف الرقصة فوق جسده قبل أن يصبح الوطن نفسه هو الضحية الأخيرة.

Leave a Reply