كلمة الهدف نقابة الصحفيين: لا تأجيل للديمقراطية ولكن تأجيل للموعد

صحيفة الهدف

▪️لم تكن نقابة الصحفيين السودانيين وليدة ظرف عابر، ولم يكن الطريق إلى قيامها سهلًا؛ فالصحفيون السودانيون عرفوا التنظيم النقابي منذ عقود، لكن النقابة المنتخبة حُلّت بعد انقلاب 30 يونيو 1989، وصودرت ممتلكاتها، وظل الوسط الصحفي لسنوات طويلة يبحث عن الطريق الذي يعيد إليه نقابته المستقلة. وبعد انتفاضة ديسمبر، بدأت مرحلة جديدة من الحوار بين الأجسام الصحفية، انتهت إلى عقد الجمعية العمومية التأسيسية في مارس 2022، ثم الجمعية العمومية في يوليو من العام ذاته لإجازة النظام الأساسي وتشكيل لجنة الانتخابات، ثم انتخاب أول مجلس للنقابة في أغسطس من العام نفسه، بعد أكثر من ثلاثة عقود على آخر انتخابات نقابية.

▪️ولذلك فإن النقابة التي ولدت من رحم هذا التاريخ الطويل من الصراع حول استقلالية التنظيم النقابي لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد مجلس تنتهي بانتهاء دورته الانتخابية؛ وإنما باعتبارها مؤسسة مهنية وديمقراطية أرسخ من الأشخاص والمواقع. وهذا تحديدًا ما يجعل كل محطة في مسيرتها بحاجة إلى قدر كبير من المسؤولية والحرص على مواصلة المسير.

▪️ اليوم تقف النقابة أمام واحدة من أصعب محطات مسيرتها منذ تأسيسها؛ فالحـ.ـرب التي اندلعت في أبريل 2023 لم تستثنِ الصحفيين من آثارها ومن مستهدفاتها؛ فقد تشتتت القاعدة الصحفية بين الداخل والخارج، ونزح كثير من الصحفيين أو لجأوا إلى دول أخرى، وفقد عدد كبير منهم مصادر دخلهم بعد توقف مؤسسات إعلامية، بينما تعرض صحفيون للقـ.ـتل والاعتقال والاحتجاز والانتـ.ـهاكات. وفي مثل هذا الواقع يصبح عقد جمعية عمومية حضورية شاملة وآمنة تحديًا حقيقيًا.

▪️ ومن هنا نفهم الملابسات التي دفعت مجلس النقابة إلى خيار تأجيل الجمعية العمومية والتمديد الاستثنائي لدورة المجلس ثلاثة أشهر، استنادًا إلى المادة (28/6) من النظام الأساسي، التي تجيز استمرار المجلس في تسيير شؤون النقابة في حال وجود ظروف قاهرة تمنع انعقاد الجمعية العمومية وانتخاب مجلس جديد. كما أوضح المجلس أن النظام الأساسي يشترط انعقاد الجمعية حضوريًا، وأن خيار الانعقاد عن بُعد تعذر تطبيقه بسبب الظروف الأمنية واللوجستية وتشتت القاعدة الصحفية.

▪️ إن تفهم أسباب التأجيل لا يعني أن نغلق باب الحوار حوله، فالجمعية العمومية ليست إجراءً شكليًا يمكن تجاوزه بسهولة؛ بل هي صاحبة السلطة الأصلية في النقابة، ومنها تستمد القيادة شرعيتها. ولذلك فإن التأجيل يجب أن يكون استثناءً تفرضه الحـ.ـرب ومخلفاتها، لا أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة دائمة.

▪️ وهنا نرى أن أمام النقابة فرصة مهمة خلال فترة التمديد، سانحة لمراجعة التجربة السابقة بهدوء، دون تجريدها من ظروفها المحيطة، والاستماع إلى القاعدة الصحفية، وتقديم مقترحات لمعالجة ما ظهر من ثغرات في النظام الأساسي واللوائح، وتوفير الظروف التي تسمح بانعقاد جمعية عمومية حقيقية، واسعة المشاركة والتمثيل، وآمنة، يشعر فيها الصحفيون بأنهم المعنيين بصناعة مستقبل وديمقراطية نقابتهم.

▪️ لقد كانت تجربة التأسيس نفسها درسًا مهمًا. فقد جاءت النقابة بعد حوارات مطولة بين الأجسام الصحفية، ثم فُتح باب العضوية وسُجل أكثر من ألف وسبعمائة صحفي وصحفية ممن يمارسون المهنة، وأجريت انتخابات شارك فيها مرشحون ومرشحات من قوائم ومستقلين، مع استخدام التصويت الإلكتروني للصحفيين خارج الخرطوم.

▪️ هذه التجربة تستحق أن تُبنى عليها المرحلة المقبلة، لا أن تُعامل باعتبارها مرحلة انقضت. فالحـ.ـرب غيّرت شكل الوسط الصحفي نفسه، وغيّرت أماكن وجود الصحفيين وظروف عملهم، وربما أوجدت قطاعات واحتياجات وقضايا لم تكن موجودة بالقدر نفسه عند تأسيس النقابة في 2022.

▪️ لذلك فإن المطلوب الآن ليس فقط تحديد موعد جديد للجمعية العمومية، وإنما العمل منذ الآن على جعل انعقادها أوسع شمولًا وأكثر تمثيلًا، وهذا يتطلب مراجعة سجل العضوية، وتحديث بيانات الصحفيين في الداخل والشتات، ومعالجة أوضاع الفروع والروابط، والاستماع إلى الأجسام المهنية المختلفة، وضمان أن تكون عملية الانتخابات شفافة واضحة ومعلنة وقابلة للرقابة، وأن يعرف كل عضو حقوقه وواجباته قبل الذهاب إلى صندوق الاقتراع.

▪️ كما أن النظام الأساسي نفسه يحتاج إلى مراجعة هادئة في ضوء معطيات التجربة العملية، ليس بهدف تغيير القواعد لخدمة أشخاص أو مجموعات بعينها؛ وإنما لسد الثغرات التي كشفتها الممارسة والحـ.ـرب والظروف الاستثنائية. ومن المهم بصورة خاصة وضع قواعد أكثر وضوحًا للتعامل مع الظروف القاهرة، وحدود التمديد، وكيفية ضمان استمرار المؤسسات النقابية من دون أن يتحول الظرف الاستثنائي إلى باب مفتوح للتمديد بترك الحبل على الجرار.

▪️ وفي التقدير، فإن استقلالية النقابة، الوجه الآخر لديمقراطيتها، يجب أن يكون أحد أهم عناوين المرحلة المقبلة. واستقلالية النقابة، كنقابة الصحفيين، لا تعني نقابة بلا موقف من قضايا الصحفيين والحريات وحقوق الإنسان والحـ.ـرب والسلام، بل تعني كيف تكون قراراتها النقابية نابعة من جمعيتها العمومية ومصالح أعضائها، وكيف تعبر عنها.

▪️وقد أعلن مجلس النقابة في قراراته الأخيرة إنهاء مشاركة النقابة ككيان مؤسسي في التحالفات ذات الطبيعة السياسية أو التنظيمية، مؤكدًا تمسكه باستقلالية النقابة. وهذه مسألة ينبغي أن تظل محل حوار مهني واسع داخل القاعدة الصحفية.

▪️ومن المهم أيضًا ألا تتحول وجهات النظر حول التأجيل أو التمديد إلى صراع يهدم النقابة نفسها. الاختلاف حق، والنقد حق، والاعتراض حق، لكن المصلحة الأكبر هي الحفاظ على المؤسسة ووحدتها، وترك الكلمة الأخيرة للجمعية العمومية في كل ما يمكن أن يعود إليها وفق النظام الأساسي.

▪️والأهم من كل ذلك أن تصل النقابة إلى جمعيتها العمومية المقبلة وهي تحمل حصيلة واضحة لما أنجزه المجلس، وما لم ينجزه، وما تطلبه المرحلة المقبلة. فالجمعية العمومية ليست فقط موعدًا لانتخاب مجلس جديد؛ إنها مناسبة لمراجعة المسيرة كلها، ومحاسبة المسؤولين، وتصحيح المسار، وتجديد الثقة أو تغييرها وفق إرادة القاعدة بالانتخاب.

▪️ النقابة التي خرجت من أكثر من ثلاثة عقود من غياب التنظيم الديمقراطي، تستحق أن يحافظ عليها. والحفاظ عليها لا يكون بتجنب الخلاف، وإنما بإدارة الخلاف داخل مؤسساتها، بالحوار وباحترام قواعد الديمقراطية. ولا يكون بتعطيل انعقاد الجمعية العمومية أو تمطيته.

▪️إن تأجيل الجمعية العمومية هو تأجيل للموعد فقط، وليس تأجيلًا للديمقراطية. وهذه هي المسؤولية التي تقع اليوم على المجلس، وعلى الجمعية العمومية، وعلى كل صحفي وصحفية: أن يحولوا هذه الفترة الصعبة إلى فرصة لترميم البناء النقابي، وتطوير قواعده، وتوسيع المشاركة فيه، حتى تظل النقابة ملكًا للصحفيين جميعًا، ولا غيرهم.

حزب البعث العربي الاشتراكي

كلمة الهدف

2026 /9/21

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.