بقلم : ماجد الغوث
لأننا رضعنا تعريفاً مشوهاً لمعنى التغيير، توهمنا ردحاً من الزمن أن الثورة تنتهي بمجرد إسقاط رأس النظام، وأن الديمقراطية تبدأ وتنتهي عند وضع ورقة الاقتراع داخل الصندوق. هذا الاختزال المخل لم يكن مجرد خطأ نظري، بل شكل الثغرة التاريخية القاتلة التي تسللت منها كل الردات السياسية عبر تاريخنا المعاصر فالثورة حين تُجرد من عمقها المؤسسي الديمقراطي تتحول حتماً إلى انقلاب بديل، بينما الديمقراطية الخالية من الروح الثورية الراديكالية لا تغدو سوى ديكور شكلي يُخفي خلفه تدوير امتيازات النخب القديمة.
المدخل الصحيح لقراءة المشهد يبدأ من تصحيح المفاهيم الأساسية. فالثورة الحقيقية قطيعة بنيوية كاملة، وليست مجرد حدث عابر أو زفرة غضب تُفرغ في الشوارع وتُزال بزوال المتاريس. كانت انتفاضة التاسع عشر من ديسمبر ثورة لأنها هدفت بالأساس إلى القطع النهائي مع المنهج التاريخي لإدارة السلطة والموارد، ورفضت حصر مصير السودان في مثلث القبيلة والطائفة والبندقية. في المقابل، لا يمكن حصر الديمقراطية في طقس انتخابي معزول بل هي أقوى آلة تفكيك أنتجها الفكر الإنساني لمواجهة الاحتكارات المغلقة، سواء كان احتكار المؤسسة العسكرية للقرار والسلاح، أو احتكار الطفيليين للأسواق ومعاش الناس، أو احتكار التيارات العقائدية للحقيقة والوطنية.
بهذا الإدراك، تتحول الديمقراطية إلى سلاح ثوري ضارب يعمل على عدة جبهات متزامنة. أولى هذه الجبهات هي نزع الشرعية البنيوية عن الماضي فالأنظمة الشمولية لا تُسقطها السجالات اللاهوتية أو الاستعراضية، بل تسقط حين يُرسخ المبدأ الديمقراطي القائل بأن لا شرعية إلا لإرادة الناس الحرة . في تلك اللحظة تنهار تلقائياً دعاوى الحق الإلهي، وتسقط أوهام الوصاية التاريخية وسطوة البندقية أخلاقياً وقانونياً ودستورياً.
تكتمل هذه الوظيفة بنقل المعركة من ضجيج الشارع إلى أروقة المؤسسة فالشارع يمتلك بطبيعته طاقة هائلة للتعطيل وإسقاط الطغيان، لكنه عاجز بمفرده عن إدارة دولة أو كتابة عقد اجتماعي مستدام. هنا تتدخل الديمقراطية كـ محول طاقة سياسي، يصهر الغضب الشعبي ليعيد صياغته في هيئة تشريعات ملزمة، وموازنات تنموية، ومحاكم مستقلة، وبدون هذا المسار يظل الشارع يدور في حلقة مفرغة تستنزف قواه حتى الموت. كما تعمل الديمقراطية كـ كاشف أوزان لا يرحم قوى الثورة المضادة؛ تلك التي تتخفى في فترات السيولة الأمنية خلف أقنعة الاستقرار وتدعي تمثيل الأغلبية الصامتة، فإذا ما فُتح الصندوق الشفاف انكشف حجمها الحقيقي وتبددت أوهامها المصطنعة.
الأهم من ذلك كله هو دور الديمقراطية في تحصين التغيير من أبنائه. إن مأساة الثورات عبر التاريخ تكمن في طعنها بيد حراسها الأوائل حين يتقمصون دور الطغاة الجدد متسلحين بـ الشرعية الثورية الزائفة. يأتي تداول السلطة ليكسر هذا الانحراف، مذكراً الحاكم بأنه موظف عام مؤقت خاضع للرقابة والعزل، لا بطلاً أسطورياً فوق القانون. تتكامل هذه المنظومة لتصبح الديمقراطية ثورة يومية دائمة فالانتخابات الدورية تجديد سلمي للشرعية، والقضاء المستقل نضال قانوني مستمر ضد الشطط، والصحافة الحرة رقابة متواصلة تكشف التضليل، والنقابات المستقلة درع يحمي عرق المنتجين وحقوقهم.
إن مقتل محاولاتنا التحررية السابقة لم يكن عيباً في مبدأ الديمقراطية، بل في تحويلها إلى شعار ترويجي فارغ من أدوات القوة. طالبنا بانتخابات ونحن نفتقر للأحزاب البرامجية المتجذرة، وهتفنا للعدالة وأهملنا بناء النقابات القادرة على شل محاولات الانقضاض عبر سلاح الإضراب، وتركنا الساحة مفتوحة لاختراقات المال السياسي والإعلام الموجه. الديمقراطية سلاح ذو حدين، إن لم تُبنَ له مصدات مؤسسية تحميها
وتجعلها في خدمة الجماهير، استولت عليها قوى الاحتكار القديمة وحولتها إلى نصل يُذبح به التغيير.
الثورة تفتح بوابة التاريخ للمستقبل، والديمقراطية هي الصرح المؤسسي المتين الذي يمنع الاستبداد من رتق ذلك الباب وإغلاقه ثانية. ليست الديمقراطية نقيضاً للمد الثوري أو هدنة مؤقتة مع الواقع، بل هي الثورة ذاتها حين تبلغ نضجها وتتحول إلى دستور وقانون، ونمط حياة يومي يمارسه الناس بلا وصاية ولا خوف.

Leave a Reply