التحالف الوطني الديمقراطي وبناء رأسمال وطني.. بداية لبناء الدولة الوطنية

صحيفة الهدف

بقلم: ماجد الغوث

هذه هي المعادلة التي عجز السودان عن فك شفرتها منذ فجر الاستقلال؛ العجز الهيكلي الذي قادنا حتماً إلى الإخفاق في بناء الدولة.

الجذور التاريخية للمأزق

منذ عام 1956، ظللنا أسرى وهمٍ مفاده أن الدول تُشيّد بالشعارات والأيديولوجيا:

▪️ توهمنا أن الدولة تُبنى بالاشتراكية المادية، فأممنا المصانع وجففنا منابع الاستثمار.

▪️ ثم ظننا أنها تقوم على الطائفية، فرهنّا الاقتصاد لمصالح بيوتات مغلقة.

▪️ وجربنا شعارات التمكين العقائدي، فسُلّم مقود الاقتصاد لتنظيم أحادي.

كانت النتيجة الحتمية واحدة في كل جولة: خلق رأسمال طفيلي غير منتج، يقتات على الريع، العمولات، ومضاربات الاستيراد، بعيداً عن ميادين الإنتاج الحقيقي. والتاريخ يبرهن أنه لا توجد دولة وطنية حديثة قامت بلا رأسمال وطني صلب، سواء في أمريكا وألمانيا، أو في نماذج الجوار الإقليمي مثل إثيوبيا ورواندا.

مفهوم التحالف الوطني الديمقراطي

ليس حزباً سياسياً عابراً، ولا ائتلافاً انتخابياً موسمياً؛ بل هو كتلة تاريخية متماسكة ترتكز على أعمدة واضحة:

▪️ الرأسمالية الوطنية المنتجة: المزارع الذي يفلح، الصناعي الذي يشغل خطوط الإنتاج، والتاجر الذي يفتح أسواق التصدير، بعيداً عن سماسرة العملة ومضاربي الذهب.

▪️ الطبقة الوسطى الحديثة: الكوادر الهندسية والطبية، الأكاديميون، والمهنيون في القطاعات المدنية والعسكرية.

▪️ القوى المنتجة في الحضر والريف: العمالة الفنية الماهرة، المزارعون، وصناع القيمة المضافة.

▪️ القوى السياسية المؤمنة بالدولة المدنية: الملتزمة بحكم القانون، آليات السوق المنظم، والتحول الديمقراطي الراسخ.

يقف هذا الحلف في مواجهة صريحة ضد تحالف الطفيلية القديم المكون من الرأسمال الريعي، والبيروقراطية الفاسدة، والاستغلال السياسي، وعسكرة الاقتصاد.

الرأسمال الوطني في مواجهة الرأسمال الطفيلي

▪️طبيعة النشاط: الرأسمال الطفيلي يكتفي بالاستيراد الاستهلاكي والمضاربات السريعة، بينما الرأسمال الوطني يزرع، يصنع، ويصدر منتجات ذات قيمة مضافة.

▪️ مصدر الأرباح: الطفيلي يجني أرباحه من فروقات العملة، الاحتكار، والأزمات، في حين تنبع أرباح الرأسمال الوطني من كفاءة الإنتاج وتوسيع سلاسل القيمة.

▪️ حركة الأموال: يسارع الرأسمال الطفيلي إلى تهريب عوائده للخارج، بينما يعيد الرأسمال الوطني تدوير واستثمار أرباحه في الداخل.

▪️ البيئة المواتية: ينتعش الطفيلي في أجواء الفوضى والاستثناءات والقرارات الفوقية، بينما لا ينمو الرأسمال الوطني إلا في ظل سيادة القانون واستقرار المؤسسات.

الخلط بين النموذجين جعل المجتمع يحمّل “الرأسمالية” وزر الأزمة برمتها، في حين أن جوهر المعضلة يكمن في تغول النشاط الطفيلي على حساب قوى الإنتاج الحقيقية.

محاور بناء الرأسمال الوطني

▪️ حماية المنتج المحلي: نهوض أي اقتصاد يستلزم مظلة حمائية لصناعته الوطنية لفترات كافية، بينما الاستيراد العشوائي أودى بالمصانع في الخرطوم وبحري وشندي. الحماية الجمركية والضريبية الموجهة ضرورة حتمية.

▪️ إعادة توجيه النظام المصرفي نحو التنمية: استبدال صيرفة الاستهلاك والمرابحات السريعة بإنشاء بنوك استثمارية تنموية تمول المشاريع الصناعية والزراعية بأسعار فائدة تفضيلية مستدامة.

*▪️ إنهاء اقتصاد الظل وتفكيك الامتيازات: لا يستقيم وجود رأسمال وطني في بيئة تنافس فيها كيانات معفية من الرسوم والجمارك والضرائب؛ فالدولة دورها حماية السوق وتأمينه، لا مضاربة القطاع الخاص.

▪️ تأصيل مبدأ “الأرض لمن يزرعها”: انتزاع الأراضي من قبضة المضاربين وسماسرة العقود، وإدارتها عبر شراكات إنتاجية ملزمة للشركات والمزارعين، مدعومة بالسكك الحديدية وسلاسل التبريد والتصنيع الزراعي.

▪️ التركيز على التعليم المهني والتقني: الصناعة لا تُدار بالنظريات وحدها؛ الحاجة ملحة لتأهيل مئات الآلاف من الفنيين في مجالات الميكانيكا، البرمجة الصناعية، الشبكات الكهربائية، وأعمال المعادن.

علاقة التحالف ببقاء الدولة

الدولة الوطنية لا يضمن بقاءها سلاح وحده ولا أيديولوجيا معزولة؛ الدولة تصمد حين يوجد حلف اجتماعي ترتبط مصالحه بوجودها واستقرارها:

▪️ الرأسمالي الطفيلي: انتعاش أرباحه مرهون بانهيار أجهزة الرقابة وانتشار الفوضى والتهريب.

▪️ الرأسمالي الوطني: خروجه من السوق مؤكد إذا غابت المحاكم، أو تعطلت الموانئ، أو انقطعت خطوط الطاقة والمواصلات.

كل مصنع يفتح أبوابه، وكل مزرعة تدخل دائرة الإنتاج، تمثل صوتاً إضافياً وجداراً فاعلاً يدافع عن القانون والمؤسسية، لأن استقرار الدولة هو رأس ماله الحقيقي.

▪️فشل السودان لم يكن يوماً بسبب قلة الموارد، بل لتسليم مقدراته لمن لا مصلحة له في قيام دولة حقيقية.

إن تجميع المنتجين — من الفاشر إلى بورتسودان، ومن حلفا إلى النيل الأزرق — هو النواة لبلورة هذه الكتلة التاريخية؛ فالأوطان تُبنى في ميادين الإنتاج والمصانع والمزارع، لا على أصوات المدافع.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.