طارق عبد اللطيف ابوعكرمة
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد قطاع تقني داخل الاقتصاد العالمي، فقد أصبح نقطة التقاء بين رأس المال والتكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية وسوق العمل. وتدفق مئات المليارات من الدولارات إلى الشركات ومراكز البيانات والرقائق والبرمجيات يعكس انتقال الذكاء الاصطناعي من تجربة تقنية إلى رهان اقتصادي واسع.
لكن حجم الاستثمار لا يجيب وحده عن السؤال الأهم: هل تتحول هذه المليارات إلى إنتاجية ونمو حقيقيين يصلان إلى الشركات والعمال والمجتمعات، أم أن العالم يعيش موجة استثمارية ضخمة تسبق العائد الاقتصادي؟
الأرقام تكشف حجم التحول، فقد بلغت الاستثمارات العالمية للشركات في الذكاء الاصطناعي نحو 581.7 مليار دولار خلال 2025، بزيادة 130% عن العام 2024، بينما وصلت الاستثمارات الخاصة إلى 344.7 مليار دولار، بارتفاع 127.5%، وفق بيانات AI Index 2026 الصادر عن جامعة ستانفورد. وتتركز حصة كبيرة من هذه الاستثمارات في الولايات المتحدة، فقد بلغ الاستثمار الخاص في الذكاء الاصطناعي فيها نحو 285.9 مليار دولار في 2025، مقابل 12.4 ملياراً في الصين، مع ضرورة الحذر من المقارنة المباشرة لأن بعض أشكال التمويل الحكومي الصيني لا تظهر بالكامل في بيانات الاستثمار الخاص. ويعكس هذا التفاوت اختلافاً كبيراً في تمركز رأس المال والقدرات التقنية والبنية الاستثمارية.
ولم يعد الإنفاق موجهاً فقط إلى تطوير النماذج. فاقتصاد الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى مراكز بيانات، ورقائق متقدمة، وشبكات اتصالات، وطاقة كهربائية ضخمة، وأنظمة تبريد، ومهارات بشرية. ولذلك بدأت الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي تعيد رسم الخريطة الاقتصادية نفسها. وتظهر أهمية الطاقة بصورة خاصة، إذ أصبحت قدرة الدول على توفير كهرباء رخيصة وموثوقة عاملاً متزايد الأهمية في جذب البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. ولهذا لم يعد الذكاء الاصطناعي مسألة برمجيات فقط، بل أصبح مسألة رأسمال وطاقة وشبكات ومراكز بيانات وقدرة على توفير الحوسبة على نطاق واسع.
واللافت أن الموجة لم تعد محصورة في الاقتصادات المتقدمة. وفي الاقتصادات الناشئة والنامية، ارتفعت استثمارات مراكز البيانات من نحو 6 مليارات دولار في 2015 إلى ذروة بلغت 31 مليار دولار في 2024، وفق مؤسسة التمويل الدولية. وهذا يفتح أمام الاقتصادات الناشئة فرصة لجذب رأس المال وبناء بنية رقمية جديدة، لكنه يضع أمامها في الوقت نفسه تحديات الطاقة والتمويل والمهارات والحوكمة. غير أن الاستثمار وحده لا يصنع المعجزة الاقتصادية. وبالنسبة إلى الاقتصادات العربية والنامية، فإن السؤال الحاسم ليس: هل نستطيع شراء أدوات الذكاء الاصطناعي؟ بل: هل نستطيع بناء الشروط الاقتصادية التي تجعل استخدامها مولداً للقيمة؟
وتشير تحليلات صندوق النقد الدولي إلى أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يمكن أن يدعم النمو، لكن المكاسب المستدامة لن تأتي من الإنفاق الرأسمالي وحده، إذ تحتاج التكنولوجيا إلى مهارات، وتمويل، وبنية تحتية، وأطر حوكمة تسمح بتحويلها إلى إنتاجية فعلية. ولذلك يبقى السؤال الاقتصادي هو: هل تنتشر مكاسب الذكاء الاصطناعي عبر قطاعات الاقتصاد، أم تظل مركزة في الشركات والقطاعات الأكثر قدرة على امتلاك رأس المال والحوسبة؟
وتؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن استخدام الشركات للذكاء الاصطناعي ارتفع إلى 20.2% في 2025، مقابل 14.2% في 2024 و8.7% في 2023. لكن الانتشار لا يزال غير متكافئ، إذ تستخدم 52% من الشركات الكبيرة الذكاء الاصطناعي مقابل 17.4% من الشركات الصغيرة. وهذا يعني أن انتقال التكنولوجيا إلى الاقتصاد لا يتعلق بتوافرها فقط، بل أيضاً بقدرة الشركات على تمويلها واستيعابها وإعادة تنظيم العمل حولها.
وهنا تدخل سوق العمل في قلب المعادلة. فالذكاء الاصطناعي لا يعمل بالطريقة نفسها في جميع الوظائف، ففي بعض الأنشطة يرفع إنتاجية العامل ويختصر الوقت، وفي أنشطة أخرى قد يستبدل بعض المهام الروتينية. ولذلك فإن أثره على النمو لن يتحدد بعدد النماذج أو الخوادم فقط، بل بقدرة الاقتصادات على إعادة توزيع العمل والمهارات، وتدريب العاملين، وتحويل الذكاء الاصطناعي من أداة لإلغاء المهام إلى أداة لرفع قيمة العمل البشر
وهنا تظهر المفارقة الاقتصادية الجديدة: الذكاء الاصطناعي قد يكون في الوقت نفسه محركاً للاستثمار ومصدراً لمخاطر جديدة. فالموجة الحالية تتطلب إنفاقاً ضخماً على مراكز البيانات والرقائق والطاقة، بينما يتزايد الاعتماد على التمويل بالدين لتمويل جانب من هذا التوسع. ويحذر بنك التسويات الدولية من أن استدامة الطفرة ستعتمد على قدرة الشركات على تحويل توقعات الإيرادات إلى أرباح وإنتاجية فعلية، كما أن ارتفاع تركّز الاستثمار والقيمة السوقية في عدد محدود من الشركات قد يزيد حساسية الأسواق تجاه أي خيبة في التوقعات.
لذلك، فإن اقتصاد الذكاء الاصطناعي ليس سباقاً لشراء أكبر عدد من الخوادم أو ضخ أكبر حجم من الأموال، إنه سباق لبناء منظومة متكاملة: تعليم جيد، مهارات جديدة، طاقة موثوقة، بنية رقمية، مؤسسات مرنة، تشريعات ذكية، ورأس مال قادر على تحويل الابتكار إلى إنتاج.
ولهذا يمكن اختصار اقتصاد الذكاء الاصطناعي في معادلة أبسط من حجم الإنفاق: رأس المال يشتري البنية، لكن المهارات والمؤسسات تحولها إلى استخدام، والاستخدام يتحول إلى إنتاجية، والإنتاجية لا تتحول إلى نمو واسع إلا إذا انتشرت مكاسبها عبر الشركات والقطاعات والمجتمع. فالاستيراد السريع للأدوات قد يحسن الكفاءة في بعض المؤسسات، لكنه لا يبني وحده صناعة ذكاء اصطناعي، ولا يخلق قاعدة معرفية أو قدرة تصديرية.
أما بناء البنية الرقمية، والمهارات، ومراكز البحث، والبيانات، والطاقة الموثوقة، والتمويل، والأطر التنظيمية، فيمكن أن ينقل الاقتصاد من مجرد مستهلك للتكنولوجيا إلى مشارك في إنتاجها وتطوير تطبيقاتها وتصدير خدماتها.
وبالنسبة إلى الدول التي تعاني ضعف البنية التحتية أو اضطراب المؤسسات، فإن الرهان على الذكاء الاصطناعي يبدأ من شروط تبدو أقدم من التكنولوجيا نفسها: كهرباء مستقرة، اتصال موثوق، تعليم جيد، بيانات قابلة للاستخدام، ومؤسسات قادرة على التنظيم. لذلك قد لا يكون السؤال الأول لبعض الاقتصادات: كيف نبني نموذجاً ذكياً؟ بل: كيف نبني البيئة الاقتصادية التي تسمح باستخدام الذكاء الاصطناعي بصورة منتجة؟
لذلك فإن اقتصاد الذكاء الاصطناعي يقاس بقدرة الاقتصاد على تحويل هذه الأموال إلى أصول إنتاجية، وتحويل الأصول إلى استخدام، والاستخدام إلى إنتاجية، والإنتاجية إلى وظائف ودخل ونمو أوسع. وهنا تحديداً يتحدد الفرق بين اقتصاد يستهلك الذكاء الاصطناعي واقتصاد يعيد بناء قدراته حوله.
وبالنسبة إلى الاقتصادات العربية والنامية، فإن السؤال الحاسم ليس: هل نستطيع شراء الذكاء الاصطناعي؟ بل: هل نستطيع بناء اقتصاد قادر على إنتاج المعرفة به، وتوطينها، وتحويلها إلى قيمة وفرص عمل وإنتاجية؟
فمن يملك الذكاء الاصطناعي كأداة استهلاك قد يصبح سوقاً له، أما من يملك البنية والمعرفة والمهارات والمؤسسات، فيملك فرصة أن يصبح جزءاً من الاقتصاد الذي يصنع المستقبل.

Leave a Reply