بقلم : ماجد الغوث
لم تكن المشاركة الشعبية في العالم العربي، عبر تاريخها الحديث، حبيسة القاعات المغلقة للمجالس النيابية الرسمية أو رهن الإرادة البيروقراطية وحدها. ففي ظل التحديات السياسية والتحولات الاجتماعية المتسارعة التي شهدتها المنطقة منذ منتصف القرن العشرين، انبعثت من عمق المجتمعات طاقات حيوية ابتكرت صيغاً تمثيلية بديلة تحت مسمى “البرلمانات الشعبية”. وهي ليست مجرد منابر للاحتجاج أو الصدى العابر لشكاوى الناس، بل كيانات أهلية ومدارس للممارسة الديمقراطية تسعى إلى عقلنة الشأن العام، وممارسة الرقابة السلمية، وابتكار حلول وسياسات بديلة للمشهد التنفيذي.
تستمد هذه التكوينات مشروعيتها من قاع المجتمع؛ فهي تولد بمبادرات تطوعية تقودها النقابات، والقوى المدنية، والروابط المجتمعية. وعلى الرغم من افتقارها للغطاء التشريعي المُلزم أو الصلاحيات الدستورية الرسمية، إلا أنها استطاعت في محطات عديدة أن تمتلك سلطة أدبية وأخلاقية وازنة، بفضل قدرتها على بناء إجماع شعبي يضغط على مراكز القرار، فضلاً عن مرونتها في استيعاب طاقات الشباب والنخب غير المنخرطة في الأطر التقليدية.
وقد أثبتت التجربة أن وظائف هذه البرلمانات لم تنحصر في الميدان السياسي الرقابي ومناقشة القوانين فحسب، بل اتسعت لتغطي فضاءات تنموية واقتصادية واجتماعية متعددة؛ فمن قضايا العدالة الضريبية ومواجهة التضخم، إلى حماية حقوق الفئات الأولى بالرعاية، وصيانة الذاكرة الثقافية والهوية الوطنية، تبلورت ملامح حراك متكامل يسعى لترسيخ مفهوم “المواطنة الفاعلة”.
وتعكس الممارسة الميدانية في سبعة أقطار عربية تنوعاً ثرياً في استجابة هذه الهيئات للحاجات الأكثر إلحاحاً في كل قطر:
ففي المغرب، دشّن المجتمع المدني تجربة نوعية تمثلت في “البرلمان الشعبي”، واضعاً الرقابة الاستباقية على مشاريع القوانين والتقارير الموازية في صلب اهتماماته لمكافحة الفساد وتعزيز التنمية الجهوية.
وفي مصر، تأسست جذور هذا النهج تاريخياً مع تكتل المعارضة في أواخر الثمانينيات، ليتجدد في مسار تدريبي حديث عبر “برلمانات الشباب” المعنية بتأهيل الأجيال الجديدة للمحاكاة التشريعية وأدوات المساءلة.
أما لبنان، فقد دفعته أزماته المزمنة والمحاصصة الحزبية إلى ابتداع “البرلمان المدني”، الذي تميز بتقديم حلول ميدانية للملفات المعيشية الحارقة، وبلغ ذروة فاعليته بصياغة “الكتاب الأبيض” كقراءة موازية وعلمية للموازنة العامة.
وفي العراق، اتخذ الحراك طابعاً مجتمعياً تصالحياً عبر “برلمان العشائر” لرأب الصدع وترسيخ السلم الأهلي، توازياً مع المبادرات الشبابية لمواجهة البطالة وإعادة الإعمار.
وفي اليمن، فرضت الطبيعة القبلية والتحولات السياسية دوراً محورياً للبرلمانات الأهلية ومنصات الحوار الوطني في إخماد النزاعات وتأمين الخدمات الأساسية في المجتمعات المحلية.
بينما قدّم السودان نموذجاً فريداً من خلال “لجان المقاومة” ولجان الأحياء كبرلمانات قاعدية أدارت شؤون الإغاثة والتكافل المجتمعي في أصعب الظروف، متكاملة مع مجالس الشورى والصلح الأهلي في مختلف أقاليمه.
وفي المملكة العربية السعودية، اتخذت المشاركة مساراً اقتصادياً وتنموياً من خلال ملتقيات الغرف والمنصات الاستشارية التي ساهمت بفاعلية في تقديم الدراسات الداعمة لخطط التحول الشامل.
ورغم هذه الحيوية، لا تزال تلك التجارب تقف أمام تحديات جوهرية تعيق استدامتها؛ يتقدمها غياب الاعتراف القانوني الذي يبقي جهودها حبيسة التوصيات الاختيارية، إلى جانب شح الموارد المالية ومخاطر الاختراق أو التجاذب الحزبي.
غير أن الآفاق القادمة تفتح نوافذ أوسع بفضل الثورة الرقمية؛ إذ تتجه الأنظار نحو تأسيس “برلمانات رقمية تفاعلية” عابرة للجغرافيا والحدود، مدعومة بقوة الرأي العام الرقمي والتشبيك الإقليمي بين الطاقات الشبابية والمدنية.
إن هذه المسيرة الطويلة تؤكد حقيقة راسخة: أن المجتمعات العربية ليست متلقياً سلبياً للقرارات، بل هي شريك أصيل يمتلك الرؤية والإرادة، وأن دعم هذه المنصات المستقلة يظل صمام أمان حقيقياً للتعبير عن تطلعات الشعوب وصياغة مسارات إصلاح تنبع من الداخل.

Leave a Reply