طارق عبداللطيف أبوعكرمة
النضال الايجابي
في 10 كانون الثاني 1948، نشر القائد المؤسس ميشيل عفلق نصاً بعنوان (النضال الإيجابي)، يبدأ بحكاية طبيب شاب عدل عن سفره إلى باريس للتخصص، واختار فلسطين. لا تبدو أهمية النص في الدعوة إلى المشاركة وحدها، بل في إعادة تعريف النضال: ليس احتجاجاً سلبياً، بل خلقاً وبناءً وعملاً يحوّل الفكرة إلى ممارسة.
يمكن قراءة النص في امتداد مفاهيم القائد المؤسس ميشيل عفلق المبكرة: الإيمان قوة داخلية دافعة، والبطولة قدرة على تحويل المبدأ إلى فعل، والمثالية الواقعية جمع بين المثال وفهم الواقع. أما النضال الإيجابي فهو المجال الذي تتقاطع فيه هذه العناصر في ممارسة تاريخية ملموسة.
أولاً: قراءة النص في سياقه الفلسفي: لا يبدأ النص بتحليل سياسي، بل بحكاية إنسانية. الطبيب غيّر وجهة سفره لأنه أدرك أن حاجة فلسطين إليه أمسّ من حاجته إلى العلم. هذه لحظة انتقال من القرار الفردي إلى المسؤولية التاريخية.
تبرز هنا فكرة ( رسالة الجيل الجديد)، كحالة وجودية تعي أنها مدعوة لصناعة التاريخ لا تلقيه. الفكرة ليست ميراثاً بل مهمة. وهذا يتصل بنص (الإيمان)، حيث الإيمان طاقة داخلية تؤسس للعمل ولا تستبدل به.
ثم ينتقل النص إلى نقد السياسة السلبية: الغاية لا تتحقق بالاقتصار على الكلام والنقد والانكماش. فالانكماش عائق أمام انتقال الفكرة من القول إلى العمل. وهذا يتقاطع مع (المثالية الواقعية): المثالية بلا فعل رومانسية، والواقعية بلا مبدأ استسلام، والنضال الإيجابي يكسر هذه الثنائية. أكثر مقاطع النص إثارة: (النضال الحقيقي لا يكون هدماً وسلبية، بل خلق وبناء وعمل إيجابي مثمر). الإيجابية هنا منطق جدلي: الفعل الذي يخلق يهدم بالضرورة ما هو قائم. السلبية ليست في الهدم، بل في غياب الخلق.
ويستعمل القائد المؤسس ميشيل عفلق (الانقلاب العربي)، و(الفكرة الانقلابية)، ولا يصح اختزالهما في المعنى العسكري؛ فالنص يربطهما بتحول جذري يتجاوز السلبية إلى العمل.
أما فلسطين فهي ساحة اختبار القيادة الجديدة. السؤال يتحول من (ماذا نفعل من أجل فلسطين؟)، إلى (كيف نصنع سيادتنا عبر فلسطين؟(. النضال الإيجابي عملية بناء السلطة من الأسفل، فهو مؤسس للذات قبل أن يكون مدافعاً عن الأرض.
ولا يقف النضال عند الاستراتيجية السياسية؛ إذ يكشف النص عن أساس أخلاقي: المسؤولية والتضحية وتقديم القضية العامة على المصلحة الفردية.
ثانياً: النضال الإيجابي في سياق (في سبيل البعث): ضمن السلسلة المفاهيمية للقائد المؤسس ميشيل عفلق:
الإيمان: طاقة داخلية تؤسس للعمل. الطبيب لم يقدم على فعله إلا بإيمان عميق.
عهد البطولة: قدرة على تحويل المبدأ إلى فعل. النضال الإيجابي بطولة يومية لا استثنائية.
المثالية الواقعية: تجاوز الثنائية بين المثال والواقع. النضال الإيجابي يحقق هذه المعادلة.
إرادة الحياة: القوة التاريخية التي تحول الفكرة إلى حركة.
المستقبل: قدرة الإنسان على إنتاج ما لم يوجد بعد. النضال الإيجابي لا ينتظر المستقبل بل يصنعه.
وهكذا يكون النضال الإيجابي الجسر الذي يعبر من الإيمان إلى الفعل، ومن البطولة الفردية إلى الحركة الجماعية.
ثالثاً: الماضي والحاضر والمستقبل
الماضي: يستند النضال إلى وعي تاريخي عميق. لكن التاريخ يمنح الذاكرة لا المستقبل الجاهز.
الحاضر: النص ينتقد سياسة التضليل والجمود، ويدعو إلى التعامل مع الأزمات كفرص لزيادة التمسك بالمبادئ.
المستقبل: النضال الإيجابي فعل استباقي لا ينتظر الفرج بل يصنعه. الطبيب لم ينتظر تغير الظروف بل غيّر مسار حياته.
رابعاً: ماذا يقول النص لنا اليوم؟: لا ينبغي أن يكون السؤال: هل ما زالت كل مفرداته صالحة؟ بل: ما الذي يمكن استبقاؤه وما الذي يحتاج إعادة تفسير؟
النضال ضد الانكماش الرقمي: وعي رقمي واسع لا يتحول إلى فعل مدني أو مؤسسي. النضال الإيجابي دعوة للانتقال من الفضاء الافتراضي إلى الفعل المؤسسي.
من الشعارات إلى المؤسسات: التنظيم ليس غاية بل أداة لتحويل الوعي إلى فعل ومؤسسة وتغيير مستدام.
فلسطين كمرآة للسيادة: دعم فلسطين لا يكون بالشعارات بل بممارسة تعيد للأمة سيادتها على قرارها.
التبعية الجديدة: النضال اليوم يشمل التبعية التكنولوجية والمعرفية والثقافية، وبناء القدرات الوطنية في التعليم والبحث والاقتصاد.
خاتمة: يأتي النضال الإيجابي ،بوصفه انتقالاً من الفكرة إلى الفعل، ومن الإيمان بالمبدأ إلى اختبار صدقه في الواقع. الفكرة التي لا تجد طريقها إلى العمل تبقى احتمالاً، والعمل الذي لا يستند إلى مبدأ قد يتحول إلى حركة عابرة.
قيمة النص اليوم لا تكمن في استعادة مفرداته كما كانت، بل في إعادة مساءلة منطقه. فالنضال الإيجابي لا يُختزل في المواجهة والتضحية، بل يتسع ليشمل بناء المعرفة والمؤسسات والكفاءة والاستقلال.
ويمكن اقتراح معادلة معاصرة: إيمان ← وعي ← فعل إيجابي ← تنظيم ← مؤسسة ← مراجعة وتجدد ← قدرة على صناعة المستقبل.
والإضافة الأخيرة ضرورية؛ لأن الفعل الذي لا يراجع نفسه يتحول إلى تكرار، والتنظيم الذي لا يتجدد يتحول إلى غاية، والمؤسسة التي لا تتعلم تتحول إلى عبء.
وأعمق ما يبقى من النص: الإنسان لا يصنع التاريخ بمجرد امتلاك الفكرة، ولا برفض الواقع، بل حين يحوّل رفضه إلى بناء، وإيمانه إلى فعل، وفعله إلى مؤسسة، ومؤسسته إلى قدرة مستمرة على التغيير. وهكذا يصبح النضال الإيجابي سؤالاً مفتوحاً أمام كل جيل: هل نكتفي بأن نكون شهوداً على التاريخ، أم نمتلك الإرادة والمؤسسات التي تجعلنا شركاء في صناعته؟

Leave a Reply