محمد عبدالله
لم تكن ثورة ديسمبر مجرد احتجاج على ارتفاع أسعار الخبز والوقود، ولا مجرد حركة سياسية انتهت بسقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019. كانت، في جوهرها، لحظة اجتماعية وثقافية نادرة أعاد فيها السودانيون اكتشاف أنفسهم، واكتشاف قدرتهم على صناعة المجال العام بعد عقود من القمع والتضييق.
في ساحات الاعتصام، ولا سيما أمام القيادة العامة في الخرطوم، لم يكن الناس يهتفون فقط. كانوا يغنون، يرسمون، يكتبون الشعر، يعرضون المسرح، يناقشون الكتب، يتبادلون الأفكار، ويقيمون أشكالاً جديدة من الحياة الجماعية. تحولت الساحة من مكان للاحتجاج إلى مجتمع مصغر، له مطابخه وخدماته الطبية ومساحاته الثقافية وموسيقاه وفنونه ونقاشاته.
ولعل أكثر ما يميز تلك اللحظة هو أن الثقافة لم تكن زينة للثورة، بل كانت إحدى أدواتها الأساسية. خرج الفن من صالاته المغلقة إلى الجدران والشوارع. أصبحت الجداريات وسيلة لحفظ ذاكرة الشهداء، وتوثيق الجرائم، والتعبير عن أحلام السودان الجديد. وتحول الرسم على الجدران من ممارسة هامشية إلى شكل من أشكال التعبير الشعبي والسياسي.
وكانت الموسيقى أكثر من أغنيات للحماس. أعادت الثورة اكتشاف الأغنية السودانية القديمة، وأعادت صياغتها بلغة جديدة. وبرز حضور النساء بصورة غير مسبوقة، فلم تعد المرأة مجرد متلقية للحدث، بل أصبحت صوتاً وصورة وفاعلاً سياسياً وثقافياً. ومن هنا استعاد لقب “الكنداكة” معناه بوصفه رمزاً للمرأة السودانية القوية والحاضرة في الشأن العام.
أما اجتماعياً، فقد كسرت الثورة كثيراً من الحواجز التي صنعتها سنوات الانقسام والخوف. في ميدان واحد اجتمع الطبيب والعامل والطالب والفنان، والمرأة والرجل، وأبناء المدن والأقاليم، وأجيال مختلفة. نشأت شبكات تطوع ومبادرات شعبية ولجان مقاومة، وأصبح الجار يعرف جاره، والمواطن يشعر أن الشأن العام مسؤوليته هو، لا مهمة السلطة وحدها.
لكن الثورة لم تستطع أن تستكمل تحولها الثقافي والاجتماعي إلى واقع سياسي مستقر. فقد جاءت الح.رب، بما حملته من قتل ونزوح وتدمير، لتضرب كثيراً من الأحلام التي ولدت في ذلك الميدان.
ومع ذلك، ربما تكمن أهمية ديسمبر الحقيقية هنا: الثورات قد تُهزم سياسياً، لكنها لا تموت بالضرورة ثقافياً.
فقد تركت ديسمبر في الذاكرة السودانية فكرة جديدة عن المواطن، والمرأة، والمدينة، والفن، والمجال العام. وتركت جيلاً ذاق، ولو لفترة قصيرة، معنى أن يكون السودان ملكاً لأهله.
ولهذا فإن ديسمبر ليست حدثاً انتهى في 2019؛ إنها سؤال مفتوح عن السودان الذي نريد أن نعيش فيه.
#ملف_الهدف_الثقافي #ثورة_ديسمبر #محمد_عبدالله #الثقافة_السودانية #الوعي_والثورة #السودان

Leave a Reply