أمجد السيد
شارع أحمد الشاطوري في القاهرة، حيث كانت تقع السفارة السودانية قبل انتقالها إلى التجمع الخامس، ليس مجرد شارع عابر في مدينة مزدحمة. بالنسبة لكثير من السودانيين، كان محطة اضطرارية في رحلة طويلة بدأت بالرصاص وانتهت بالغربة وقفت هناك، ورأيت وجوهاً تحمل أكثر مما تستطيع الكلمات أن تحكيه. سودانيون جاءوا إلى السفارة لإنجاز وثيقة، استخراج جواز، أو تثبيت أوراق أبنائهم. لكن خلف كل معاملة كانت هناك حكاية أخرى؛ حكاية أسرة اقتُلعت من بيتها، وطفل انقطع عن مدرسته، وأب أصبح عاجزاً عن توفير أبسط احتياجات أسرته هذا هو الجانب الآخر للحرب؛ الجانب الذي لا يجد حظه من النشر، لأن الكاميرات عادةً تبحث عن الدخان والرصاص، بينما لا تستطيع تصوير الخوف الذي يسكن داخل الإنسان بعد أن تنتهي المعركة الحرب لم تمنح السودانيين وقتاً للاستعداد كثيرون غادروا منازلهم على عجل، بعضهم خرج من دون وثائق، وبعضهم لم يحمل معه سوى ملابس جسده. كان الناس يعيشون حياتهم بصورة طبيعية، ثم استيقظوا ذات صباح على أصوات القذائف والرصاص من كل اتجاه. لم يكن أمام كثير منهم سوى قرار واحدالهروب من أجل النجاة خرجوا عبر المنافذ الرسمية، وخرج آخرون عبر طرق اضطرارية وعرة، بحثاً عن الأمان. وهناك بدأت مأساة أخرى لا تقل قسوة عن الحرب نفسها مأساة الرحلات غير الآمنة عبر الحدود، التي دفع فيها كثيرون حياتهم ثمناً لمحاولة الوصول إلى مكان آمن سأعود يوماً بالتفصيل إلى تلك الحكايات، إلى ما يمكن أن نسميه مأساة رحلات التهريب عبر الحدود إلى أولئك الذين غادروا بيوتهم أحياء ولم يصلوا إلى وجهتهم، ولم يكونوا يتخيلون أن رحلة الهروب من الموت ستكون هي نهاية أعمارهم لكن المأساة لم تتوقف عند الوصول في القاهرة، كما في غيرها من دول اللجوء، اكتشف السودانيون أن النجاة من القصف لا تعني النجاة من آثار الحرب رأيت وسمعت عن أشخاص تعثروا في استخراج وثائقهم ووثائق أبنائهم بسبب تكاليف الإجراءات. بالنسبة لمن يملك دخلاً مستقراً قد تبدو الرسوم رقماً يمكن تدبيره، لكنها بالنسبة لأسرة خرجت من السودان بلا مدخرات، ولا عمل، ولا مصدر دخل ثابت، قد تصبح جداراً لا تستطيع تجاوزه وسمعت قصصاً عن أسر تعيش في مساكن لا تكاد تتوافر فيها شروط الحياة، وعن آباء وأمهات يحاولون تدبير الطعام والشراب والإيجار والعلاج، فيما يزداد شعورهم بالعجز كل يوم والأخطر من ذلك أن آثار الحرب بدأت تضرب مستقبل الأطفال عرفت أخيراً أن هناك أسرًا لم يعد أبناؤها إلى المدارس منذ عام 2023، لأنهم ببساطة لا يستطيعون دفع الرسوم الدراسيةتأملوا هذه الجملة جيداً طفل سوداني لم يجلس على مقعد الدراسة منذ اندلاع الحرب.
ماذا يعني ذلك بعد خمس سنوات؟ وبعد عشر؟ماذا يعني أن يكبر جيل كامل بعيداً عن المدرسة، وعن التعليم، وعن الحياة الطبيعية، وأن يتحول حقه في التعلم إلى رفاهية لا تستطيع أسرته تحمل تكلفتها؟
هذه ليست مشكلة اليوم فقط. إنها فاتورة ستدفعها البلاد غداً ثم هناك الجانب الأكثر إيلاماً، والأكثر صمتاً. هناك أناس دفعهم الفقر والحاجة إلى أوضاع لا يريدون الحديث عنها، وهناك قصص عن استغلال وضعف وانتهاكات تمس كرامة الإنسان، ومنها ما يرتبط بالاستغلال الجنسي والعنف القائم على الحاجة. كثير من هذه القصص لا تصل إلى الإعلام، ليس لأنها لم تحدث، وإنما لأن أصحابها يخافون من الفضيحة، أو لا يجدون من يسمعهم، أو يخشون أن يتحول ضيقهم إلى وصمة تلاحقهم وهنا تصبح الحرب أكبر من بندقية وقذيفة.
الحرب حين تدفع إنساناً إلى بيع ممتلكاته، أو حرمان أطفاله من التعليم، أو العجز عن العلاج، أو قبول عمل مهين، أو النوم في مسكن لا يليق بالبشر، فهي لا تدمر الحاضر فقط؛ إنها تعيد تشكيل حياة الإنسان ومستقبل أسرته لهذا، فإن الحديث عن جرائم الحرب لا ينبغي أن يتوقف عند ساحات القتال فالأسلحة والدمار والقتل مشاهد فظيعة، لكن الأخطر ربما هو ما تتركه الحرب وراءها من مجتمع مكسور، وأسر مشتتة، وأطفال خارج المدارس، وشباب فقدوا سنوات من أعمارهم، ومهنيين فقدوا أعمالهم، وأسر فقدت مصادر رزقها، وملايين اضطروا إلى بناء حياة جديدة في بلاد لم يختاروها.
وإذا كان من الممكن يوماً أن تتوقف المدافع، فإن آثار الحرب لن تتوقف في اليوم نفسه سيكون علينا أن نعيد الأطفال إلى المدارس، وأن نعيد بناء الجامعات والمستشفيات، وأن نعالج آثار النزوح واللجوء، وأن نعيد لمّ شمل الأسر، وأن نوفر فرص العمل، وأن نعيد بناء المؤسسات، وأن نستعيد الثقة بين السودانيين، وأن نعالج آثاراً نفسية واجتماعية عميقة لا تظهر في صور الخراب وسنكتشف عندها أن إعادة بناء السودان لن تكون مجرد إعادة بناء مبانٍ وجسور وطرق.
سنكون أمام مهمة إعادة بناء الإنسان السوداني نفسه.
وهذا عمل قد يستغرق سنوات، وربما أجيالاً.
لذلك فإن أخطر ما فعلته الحرب بالسودان ليس فقط ما دمرته من بيوت ومدن، ولا عدد الذين قتلوا أو نزحوا، وإنما أنها بدأت تقتطع من مستقبل البلاد جيلاً بعد جيل جيلٌ تعطلت دراسته وجيلٌ نشأ في النزوح وجيلٌ كبر وهو لا يعرف من الوطن إلا الحرب.
وجيلٌ اضطر إلى بناء مستقبله خارج السودان هذه هي الكارثة التي يجب أن نتوقف أمامها.
لقد اعتدنا أن نقيس الحرب بعدد القتلى والمناطق التي سقطت، وبمساحة الدمار وحجم النزوح. لكن هناك رقماً آخر لا يظهر في الإحصاءات: عدد الأحلام التي توقفت.
طالب لم يكمل دراسته.
شاب فقد سنوات عمره.
أسرة تشتتت بين البلدان.
طفل نشأ بعيداً عن أبيه.
أم أصبحت تبحث كل يوم عن وسيلة لتطعم أبناءها.
وإنسان خرج من وطنه ولم يعرف متى يستطيع العودة.
هذه هي الحرب التي لا تظهر في نشرات الأخبار الحرب لا تحتاج إلى رصاصة حتى تدمر حياة الإنسان؛ يكفي أن تحرم طفلاً من مدرسته، أو أباً من عمله، أو أسرة من بيتها ولذلك، حين نتحدث عن المسؤولية عما جرى، يجب ألا نحصرها في نتائج المعارك العسكرية وحدها. فالمسؤولية السياسية والأخلاقية عن إشعال الحرب واستمرارها لا تنتهي عند عدد الضحايا المباشرين؛ بل تمتد إلى كل هذا الخراب الإنساني والاجتماعي الذي ستحتاج البلاد إلى عقود لإصلاحه.
إن ما أفسدته الحرب يمكن إصلاحه، لكنه لن يُصلح نفسه.
وسيحتاج السودان إلى مشروع وطني ضخم لإعادة بناء الإنسان قبل الحجر، وإعادة الأطفال إلى المدارس قبل إعادة فتح المباني، وإعادة الأسر إلى حياة مستقرة قبل الحديث عن أرقام النمو والاقتصادوربما يكون هذا هو الوجه الآخر للحرب الذي يجب أن نبدأ في كتابته الآن.
ليس لكي نعيد فتح الجراح، وإنما لكي نعرف حجم الجرح.
فالسودان الذي سنرثه بعد الحرب لن يكون هو السودان الذي تركناه يوم اندلعت.
وسيكون السؤال الأصعب كم جيلاً نحتاج حتى نصلح ما أفسدته هذه الحرب؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يشغلنا منذ الآن.

Leave a Reply