سلسلة: من الايمان الملتزم إلى الخصومة: قراءة في التساقط والانحراف ومسألة الإنسان في تجربة البعث

صحيفة الهدف

الحلقة الثانية: حين يتحول الجرح إلى خصومة: سيكولوجيا التساقط والتكتل

طارق عبد اللطيف ابوعكرمة

إذا كانت الحلقة الأولى قد حاولت البحث عن بداية الظاهرة، فإن السؤال الآن يصبح أكثر تعقيداً: ماذا يحدث داخل الإنسان عندما لا يُحسم الخلاف؟ وكيف ينتقل من اختلاف في الرأي إلى صراع على المكانة، ثم من صراع على المكانة إلى تكتل، وربما إلى خصومة؟ . فالتساقط، كما يظهر في الدراسة، لا يحدث دفعة واحدة؛ وإنما تتداخل في تكوينه عوامل نفسية وتنظيمية وسياسية، ويتحول الخلاف حين لا يجد مساره الطبيعي داخل المؤسسة إلى حالة تتجاوز حدود الاختلاف.

رغم أن دراسة الأستاذ المناضل محمد ضياء الدين تتناول التنظيم والنظام الداخلي والتكتلات، فإن جوهرها الأعمق، في تقديري، ليس تنظيمياً بقدر ما هو إنساني وأخلاقي. فالفردية، والغرور، والطموح، والحاجة إلى التقدير، والشعور بالظلم، وحساسية الكرامة، والمكابرة، والشللية، كلها عوامل قد تجعل الإنسان عرضة لتحويل تجربة شخصية إلى موقف عام. وهنا يمكن قراءة الدراسة باعتبارها بحثاً في العلاقة بين الذات والفكرة.

فالإنسان قد يبدأ حياته السياسية مؤمناً بالمصلحة العامة، لكنه مع الزمن قد يختبر صراعاً خفياً بين ما يريده للمشروع وما يريده لنفسه. وهذا الصراع لا يظهر دائماً بصورة واضحة. قد يبدأ بسؤال صغير: لماذا لم أُكلَّف؟ ثم: لماذا أُبعدت؟ ثم: لماذا لا يُقدَّر تاريخي؟ ثم: لماذا لا يسمعون رأيي؟ هذه الأسئلة في ذاتها ليست انحرافاً. فالإنسان من حقه أن يسأل، وأن يشعر بالألم، وأن يطلب تفسيراً. لكن الخطر يبدأ عندما تنتقل المسألة من طلب الفهم إلى بناء رواية كاملة عن الذات والمؤسسة. ثم تتحول الأسئلة تدريجياً من نقد موقف إلى نقد طريقة العمل، ومن نقد طريقة العمل إلى نقد القيادة، ومن نقد القيادة إلى نقد التجربة، ثم ربما إلى نقد الفكرة نفسها.

وهنا تقدم الدراسة ملاحظة شديدة الأهمية، وهي ليس كل من يصل إلى هذه النقطة كان كاذباً في ماضيه. فالإنسان قد يكون صادقاً في مرحلة، ثم يضعف في مرحلة أخرى. وقد يكون مناضلاً حقيقياً ثم يقع تحت تأثير ذاته. ولذلك فإن تفسير كل حالات التساقط بأنها نتيجة (عدم إيمان أصلي)، تفسير مريح، لكنه لا يفسر الظاهرة.

«لكن فهم هذه التحولات لا يعني إعفاء الإنسان من مسؤوليته؛ فالظروف قد تفسر لحظة الضعف، لكنها لا تلغي مسؤولية الاختيار، كما أن مسؤولية المؤسسة عن بيئتها التنظيمية لا تلغي مسؤولية الفرد عن موقفه منها.»

لكن السؤال المقابل لا يقل أهمية: لماذا يصمد آخرون أمام الظروف نفسها؟ لماذا يستطيع بعضهم أن يخسر موقعه دون أن يخسر علاقته بالفكرة؟ هنا لا تكفي دراسة عوامل التساقط وحدها، إذ ينبغي أن نبحث أيضاً في عوامل الصمود: التربية، ونضج الوعي، ووضوح العلاقة بالمبدأ، والقدرة على الفصل بين الذات والدور، والثقة بالمؤسسة حتى عند الاختلاف.

«وهذا يفتح سؤالاً موازياً لسؤال التساقط: هل الصمود مجرد قوة شخصية، أم أنه ثمرة تربية فكرية وتنظيمية تجعل الإنسان قادراً على الفصل بين خسارة الموقع وخسارة المبدأ؟ فإذا كان التساقط يحتاج إلى تفسير، فإن الصمود كذلك يحتاج إلى تفسير.

وفي المقابل، لا يجوز تفسير كل شيء بالذات. ومع أهمية العوامل الذاتية، تحسب للدراسة أنها لا تقع في التفسير النفسي وحده، فهي تضع إلى جانب الفردية والغرور والطموح والشعور بالظلم عوامل موضوعية القمع، والسجون، والمنافي، والهزائم السياسية، وطول سنوات النضال، والتحولات الاجتماعية، وتغير العالم، وتغير وسائل الاتصال.

ولا يبدو التساقط، كما تكشف الدراسة، نتاج عامل واحد، فهو حصيلة تفاعل بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي، بين ضعف الإنسان من جهة، والظروف السياسية والتنظيمية والتاريخية من جهة أخرى. ولذلك فإن اختزال الظاهرة في الغرور أو الطموح أو حب الموقع وحده يظلم الإنسان كما يظلم المؤسسة، تماماً كما أن تحميل الظروف وحدها المسؤولية يلغي مسؤولية الفرد عن خياراته. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأن الإنسان ليس كائناً معلقاً خارج التاريخ. قد يصمد عشرين عاماً، ثم يجد نفسه أمام عالم مختلف تماماً عن العالم الذي دخل فيه الحزب. وقد تتغير أدوات السياسة، وتتغير مصادر المعرفة، وتتغير علاقة الفرد بالجمهور، وتتغير حتى الطريقة التي يصنع بها الإنسان صورته عن نفسه وعن الآخرين.

وقد تكون في بعض الحالات أزمة اعتراف قبل أن تكون أزمة فكر؛ حين يشعر الإنسان أن تاريخه لم يعد مرئياً، وأن تضحيته لم تعد مقدّرة، وأن موقعه لم يعد يعكس الصورة التي يحملها عن نفسه. وإذا لم تُدار هذه الأزمة بحكمة، فقد تتحول الحاجة إلى الاعتراف إلى رغبة في إثبات الذات، ثم إلى بناء شرعية شخصية موازية. وهنا تظهر واحدة من أخطر مراحل التكتل: عندما يبدأ الإنسان في البحث عن شاهد يؤكد له أن المشكلة ليست فيه، وإنما في المؤسسة كلها. فيجد رفيقاً يشاطره الشعور، ثم آخر، ثم تتشكل دائرة من المتشابهين في الإحساس. وفي البداية قد تكون المجموعة مساحة للتنفيس، ثم تتحول إلى مساحة للتفسير، ثم إلى مساحة لإنتاج موقف مشترك. ومع الوقت قد يصبح التكتل قائماً بذاته، لا لأنه بدأ بمشروع فكري واضح، وإنما لأنه بدأ بحاجة نفسية واجتماعية إلى الاعتراف المتبادل.

ومن هنا تصبح (الشللية) أكثر من علاقة صداقة بين أفراد. فالرفاقية في أصلها قيمة نبيلة، وربما كانت من أجمل ما أنتجته التجارب النضالية، إذ تجمع الناس في ظروف الخطر والتضحية والعمل المشترك. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الرفاقية إلى ولاء سياسي شخصي. عندها لا يعود السؤال: ماذا يقول التنظيم؟ بل: ماذا تقول جماعتنا؟. ومن هنا يمكن أن تتشكل دائرة مغلقة يتغذى فيها كل فرد من قناعة الآخر بأنه يرى ما لا يراه الآخرون، وأن القيادة لا تفهم، وأن المجموعة الصغيرة هي التي تمتلك الحقيقة. وهنا تصبح الشللية أخطر من مجرد خلاف عابر، لأنها تنتج وعياً جماعياً مضاداً للمؤسسة. ولعل الدراسة تصيب حين ترى أن التكتل لا يولد فجأة، وإنما يمر بمراحل نفسية وتنظيمية متدرجة. لكن ثمة تحولاً جديداً فرضه العصر الحديث على هذه الظاهرة. ففي السابق كانت المؤسسة التنظيمية هي البوابة الرئيسية للوصول إلى الجمهور. أما اليوم فقد يستطيع فرد واحد، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أن يمتلك جمهوره الخاص، وأن يقدم نفسه باعتباره مصدراً مستقلاً للمعلومة والتفسير والتعبئة. وهنا تفرض اللحظة الراهنة سؤالاً لم يكن مطروحاً بهذه الحدة في التجارب التنظيمية القديمة: ماذا يحدث عندما يصبح العضو قادراً على امتلاك جمهوره الخاص؟ لم تعد المنافسة داخل التنظيم تدور فقط حول الموقع، بل يمكن أن تدور حول الجمهور أيضاً. وهكذا يستطيع الفرد أن يبني شرعية إعلامية خارج الشرعية التنظيمية، وقد يتحول الاختلاف الفكري إلى مركز تأثير مستقل. وعند هذه النقطة لا يعود التكتل مجرد تجمع لأشخاص مختلفين مع القيادة، بل يصبح بمرور الوقت بنية ولاء بديلة، أي إن مركز الانتماء ينتقل تدريجياً من الفكرة والمؤسسة إلى الجماعة ذاتها.

وإذا كانت الدراسة قد تناولت التكتل في سياقه التنظيمي والتاريخي، فإن واقع اليوم يضيف عاملاً جديداً ينبغي التوقف عنده: وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا يجعل أدوات الوقاية أكثر تعقيداً، لأن المؤسسة لم تعد تملك وحدها وسائل الاتصال والتأثير. ولذلك فإن أي استراتيجية مستقبلية لمعالجة التكتل ينبغي أن تفهم البيئة الجديدة التي أصبحت فيها المعلومة والجمهور والرمزية الشخصية عناصر مستقلة عن التنظيم.

ويأتي اختيار (ردة شباط 1966)، نموذجاً تاريخياً داخل الدراسة ليقدم مثالاً مهماً على لحظة يتحول فيها الخلاف إلى صراع على من يمثل الحزب ومن يملك حق تعريفه. فالدرس الأهم من التجارب التاريخية ليس فقط معرفة من انتصر ومن خسر، وإنما معرفة كيف يمكن للخلاف السياسي أن ينتقل من الاختلاف إلى الصراع على الشرعية، ومن الصراع على الشرعية إلى محاولة امتلاك الاسم، ثم إلى التنظيم الموازي وإعادة تعريف المؤسسة.

والتاريخ هنا لا يقدم وصفة جاهزة، وإنما يقدم مختبراً لفهم الآليات؛ فلكل انقسام شروطه السياسية والفكرية والتنظيمية الخاصة، لكن المقارنة تسمح لنا باكتشاف بعض الأنماط التي تتكرر عندما يفشل الاختلاف في البقاء داخل المؤسسة. وهنا تكتسب الدراسة الأصلية قيمة إضافية لأنها لا تتوقف عند تحليل أسباب التساقط، وإنما تنتقل إلى سؤال المؤسسة والنظام الداخلي: ماذا تقول القواعد عندما يصل الخلاف إلى مرحلة تهدد وحدة التنظيم؟ وهذا السؤال مهم؛ لأن التنظيم لا يستطيع أن يعتمد على النوايا الحسنة وحدها. لا بد من قواعد تضبط العلاقة بين الحرية والانضباط، وبين حق النقد وواجب الالتزام، وبين الاختلاف المشروع والتكتل الذي يتحول إلى منافسة على الشرعية.

وهنا تبرز أهمية النظام الداخلي لا بوصفه مجموعة مواد وعقوبات، وإنما باعتباره عقداً ينظم العلاقة بين العضو والمؤسسة. فوجود الخلاف داخل التنظيم ليس دليلاً على فشل التنظيم؛ بل إن قدرة التنظيم على إدارة الخلاف هي أحد مؤشرات نضجه. المشكلة تبدأ عندما يصبح النقد خارج الأطر، ويصبح التكتل بديلاً عن الحوار، ويصبح الالتزام مرهوناً بقبول الموقع أو القرار. لذلك فإن قوة النظام لا تقاس فقط بقدرته على ضبط المخالف، وإنما أيضاً بقدرته على توفير طريق عادل وواضح لمن يختلف.

لكن القواعد وحدها لا تكفي. فقد يكون النص التنظيمي واضحاً، لكن الإنسان الذي يطبقه قد يخطئ. وقد تكون الآليات موجودة، لكن الثقة بها ضعيفة. وقد يكون حق النقد قائماً، لكن العضو لا يشعر أن نقده مسموع. وهنا نصل إلى جوهر المسألة: التكتل لا يُواجه فقط بعد أن يولد، بل يجب أن تُفهم البيئة التي تساعده على الولادة. فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستماع، والتفسير، والمراجعة، والاحتواء، كلما ضاقت المساحة التي يمكن أن ينمو فيها التكتل. وكلما اتسعت الفجوة بين القيادة والقواعد والأعضاء، زادت احتمالات أن تتحول الشكوى إلى جماعة، والجماعة إلى مركز، والمركز إلى خصومة.

ولذلك فإن المسألة ليست نفسية فقط، ولا تنظيمية فقط، ولا سياسية فقط؛ إنها تفاعل بين الإنسان والظرف والمؤسسة.

ويبقى التمييز بين التساقط والانحراف ضرورياً. فليس كل خروج من التنظيم انحرافاً، وليس كل اختلاف خصومة، كما أن الانحراف لا يبدأ بالضرورة لحظة إعلان القطيعة، فقد يبدأ عندما تتغير معايير الإنسان الداخلية، فيصبح الموقع معياراً للحق، والجماعة معياراً للصواب، والمصلحة الشخصية معياراً للحكم على الفكرة. عندها لا يعود الخلاف مجرد اختلاف في الوسيلة، وإنما يبدأ التحول في البوصلة التي يقيس بها الإنسان مواقفه.

وهنا نعود إلى السؤال الذي بدأنا منه: متى يتحول الجرح إلى خصومة؟. يحدث ذلك عندما يصبح الجرح هوية، وعندما يصبح الشعور بالظلم تفسيراً شاملاً لكل شيء، وعندما يجد الإنسان جماعة تؤكد له روايته، وعندما تفشل المؤسسة في تقديم مسار عادل وموثوق للحوار والمراجعة. لكن حتى في هذه اللحظة، يبقى هناك فارق بين الخروج والخصومة. وهذا الفارق سيكون موضوع الحلقة الثالثة: ماذا يقول النظام الداخلي؟ وهل الانتماء قيد أبدي؟ وهل يمكن للإنسان أن يخرج دون أن يتحول إلى عدو؟ والأهم: كيف يمكن بناء حصانة فكرية ومؤسسية وأخلاقية تمنع تكرار التجربة؟. فالمشكلة ليست في أن يختلف الإنسان، ولا حتى في أن يخرج، وإنما في اللحظة التي يتحول فيها اختلافه إلى هوية، وخروجه إلى خصومة، وخصومته إلى مشروع بديل.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.