حين تجوع الدولة وتبذخ السلطة تغيب العدالة

صحيفة الهدف

قراءة في كلمة (الهدف) حول الأجور والمال العام

#الهدف_تقرير

هناك أزمات اقتصادية يمكن علاجها بقرار مالي، وأخرى تحتاج إلى إصلاح هيكلي، لكن ثمة أزمات أعمق تكشف أن المشكلة لم تعد في مقدار المال المتاح، وإنما فيمن يملك حق الحصول عليه، ومن يُطلب منه أن يدفع ثمن الأزمة.

ومن هنا تأتي أهمية الكلمة الهدف في 29 أغسطس 2026، حين وضعت قضية الأجور والامتيازات والخدمة المدنية في سياق يتجاوز الأرقام إلى سؤال فلسفي وسياسي: لمن تعمل الدولة؟ وكيف توزع مواردها؟ ومن يتحمل كلفة بقائها؟ حين يتقاضى المعلم والطبيب والمهندس والأستاذ الجامعي والموظف أجوراً تتآكل بفعل التضخم، بينما تستمر الامتيازات والمخصصات في قمة الجهاز العام، فإننا لا نكون أمام خلل محاسبي فحسب، بل أمام خلل في معنى العدالة داخل الدولة. فالراتب ليس رقماً في كشف مالي، إنه اعتراف بقيمة العمل. وعندما يفقد العامل قدرته على العيش من أجره، فإن الدولة لا تخسر دخلاً لموظف فحسب، وإنما تبدأ في فقدان المعنى الأخلاقي للخدمة العامة.

الحرب جعلت حياة السودانيين أكثر قسوة: ارتفاع في الأسعار، تدهور في قيمة العملة، تعطّل للإنتاج والخدمات، نزوح واسع، ودمار طال مؤسسات الدولة والاقتصاد. وفي مثل هذه الظروف يفترض أن تكون الدولة أكثر حساسية تجاه الفقراء والعاملين، وأن تبدأ بالتضحية من مواقع القوة قبل أن تطلبها من مواقع الضعف. لكن المواطن يُطلب منه أن يتحمل الضرائب والرسوم والجبايات وارتفاع الأسعار وتآكل دخله، وأن يتفهم دائماً (ظروف الدولة)، وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يتحمل الجميع هذه الظروف بالقدر نفسه؟

فالعدالة لا تعني أن يحصل الجميع على المبلغ نفسه، وإنما أن تكون الفوارق في الدخل والامتيازات مبررة، ومتصلة بحجم المسؤولية، وخاضعة للقانون والرقابة. وعندما تتحول الوظيفة العامة إلى طريق للامتياز الطبقي، يصبح جهاز الدولة نفسه أداة لإعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي، وتتراجع ثقة المواطن في الدولة ومؤسساتها.

وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: إذا كانت الدولة تضع حداً أدنى للأجور حمايةً للإنسان من الفقر، فما الأسس التي تمنع أن يصبح الأجر الأعلى مفتوحاً بلا سقف واضح؟

إن إعادة النظر في الحد الأدنى للأجور يجب ألا تكون مجرد استجابة لارتفاع الأسعار، بل ينبغي أن تستند إلى تكلفة المعيشة، ومعدل التضخم، والإنتاجية، والقدرة المالية للدولة، وتكلفة المعيشة، واحتياجات الأسرة، ومستوى الأجور العام. بما يضمن للعامل حياة كريمة ويحافظ على القيمة الحقيقية لدخله.

لكن العدالة المالية لا تكتمل بالحد الأدنى وحده. فغياب سقف واضح ومعلن للأجور والمرتبات والمخصصات العليا يفتح الباب أمام تفاوتات يصعب تبريرها، خصوصاً عندما لا تكون معايير تحديدها معلنة ولا تخضع لرقابة مستقلة. والسؤال هنا على أي أساس حُدد هذا الأجر؟ ومن وضع معاييره؟ ومن يراجعه؟ وهل تنطبق القاعدة نفسها على الجميع؟

ومن منظور العدالة، قد يكون من الضروري التفكير في سلم وطني للأجور يربط الفوارق بين أدنى وأعلى دخل في الدولة بمعايير موضوعية، ويضع سقفاً واضحاً للمخصصات والبدلات والامتيازات، مع إخضاع أي استثناء لمبررات معلنة ورقابة قانونية ومالية.

وبذلك يصبح السؤال الاقتصادي أكثر وضوحاً: ليست العدالة أن يتساوى الجميع في الدخل، وإنما أن تكون الفجوة نفسها عادلة، ومبررة، وشفافة، ومتناسبة مع المسؤولية وقيمة العمل، ولا تتحول الوظيفة العامة إلى وسيلة لإنتاج طبقة امتياز داخل الدولة.

أشارت كلمة الهدف، إلى فجوة كبيرة بين أجور قطاعات واسعة من العاملين ومخصصات بعض شاغلي المناصب العليا، وأوردت أرقاماً محددة بشأن مخصصات بعض المسؤولين.  لكن السؤال الأهم يبقى قائماً حتى بمعزل عن أي رقم: هل يعرف المواطن بصورة واضحة كيف تُحدد أجور المسؤولين ومخصصاتهم؟ ومن يراقبها؟. فالشفافية ليست اتهاماً، والمطالبة بالإفصاح ليست تشهيراً. إنها قاعدة أساسية في الحكم الرشيد: المال العام يجب أن يكون مرئياً، وقابلاً للمراجعة والمساءلة.

وتزداد أهمية ذلك مع ظاهرة (التجنيب)، التي تعني إخراج بعض الإيرادات من مسار الخزانة العامة، بما يضعف وحدة السياسة المالية ويحد من قدرة الدولة على معرفة مواردها الحقيقية وتوجيهها وفق أولويات وطنية. وحين تتحول المؤسسات العامة إلى جزر مالية منفصلة، يصبح بناء موازنة وطنية حقيقية أمراً بالغ الصعوبة، وتصبح الرقابة على المال العام أكثر ضعفاً.

والتجنيب، بهذا المعنى، ليس مجرد مخالفة في طريقة التحصيل أو الصرف، إنه يمس فكرة الدولة المالية ذاتها. فحين لا تمر الموارد العامة عبر قناة مالية موحدة، تفقد الدولة قدرتها على رؤية مواردها كاملة، وترتيب أولوياتها، ومساءلة من ينفقها. وعندها يصبح المال العام قابلاً لأن يتحول من مورد للمصلحة العامة إلى مورد لمراكز نفوذ متفرقة.

من الخطأ النظر إلى الخدمة المدنية باعتبارها مجرد مجموعة موظفين ينتظرون الرواتب. بل إن الخدمة المدنية هي ذاكرة الدولة. المعلم يحمل معرفة الأجيال، والطبيب يحمل صحة المجتمع، والمهندس يحمل قدرة الدولة على البناء، والأستاذ الجامعي يحمل المعرفة والبحث، والموظف يحفظ استمرارية المؤسسات، والعامل والفني يحولان الخطط إلى واقع. ولهذا فإن إفقار الخدمة المدنية لا يعني إفقار العاملين فيها فقط، بل يعني إفقار الدولة نفسها. فعندما يهاجر الطبيب، تخسر الدولة سنوات من التعليم والتدريب والخبرة. وعندما يترك الأستاذ الجامعة، لا تفقد قاعة مدرساً فقط، وإنما تفقد معرفة تراكمية. وعندما يفقد الموظف حافزه، تبدأ المؤسسة في فقدان الكفاءة والذاكرة والانضباط. ومن هنا فإن إصلاح الأجور ليس منحة للعاملين، بل استثمار في قدرة الدولة على البقاء والعمل.

الحرب لا تنتج الخراب فقط؛ إنها قد تنتج اقتصاداً خاصاً بها، تتحرك فيه الأموال حول السلاح والتهريب والجبايات والأسواق الاستثنائية والموارد النادرة. وهنا تظهر واحدة من أخطر المفارقات: قد يصبح استمرار الحرب مصلحة لفئات تستفيد منها، بينما يصبح السلام مصلحة للمجتمع بأسره. لذلك فإن الانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلام لا يتحقق بإيقاف إطلاق النار وحده، بل يحتاج إلى إعادة بناء اقتصاد يجعل الإنتاج أكثر قيمة من المضاربة، والعمل أكثر جدوى من النفوذ، والسلام أكثر ربحاً من الحرب.

وهنا تبرز مسألة الرأسمالية الطفيلية التي تتغذى على الحرب والفوضى وضعف الرقابة. فاقتصاد الحرب لا يصنع أرباحاً فقط، وإنما قد يصنع مصالح مرتبطة باستمرار الأزمة نفسها. ولذلك فإن الانتقال إلى اقتصاد المستقبل لن يكون مجرد إعادة تشغيل للمصانع والأسواق، بل تفكيكاً لشبكات المصالح التي تجعل الحرب مورداً، واستعادةً لدور الدولة في توجيه الموارد نحو الإنتاج لا نحو الامتياز والمضاربة والنهب.

من سؤال (كم نملك؟)، إلى سؤال (كيف ننفق؟)، ربما يكون هذا هو السؤال الاقتصادي الأهم. فقد تكون موارد الدولة محدودة، لكن محدودية الموارد لا تبرر بالضرورة سوء توزيعها. فالموازنة العامة ليست وثيقة مالية محايدة، إنها في جوهرها وثيقة سياسية وأخلاقية لأنها تكشف ما الذي تعتبره الدولة أولوية. فالدولة التي تعجز عن توفير حياة كريمة للمعلم يجب أن تسأل: أين يقع المعلم في سلم أولويات الإنفاق؟

ولهذا فإن السؤال لا يتعلق فقط بحجم الإنفاق، وإنما بترتيب الأولويات: عندما تجد الدولة موارد لاستمرار الحرب، ثم تقول للعاملين إنها لا تملك ما يكفي لحماية قيمة أجورهم، فإن الأزمة تصبح أزمة أولويات قبل أن تكون أزمة موارد. فالمال الذي يُقال إنه غير موجود لغذاء أسرة الموظف، يجب أن يُسأل أولاً: أين ذهب؟ وما الذي سبق الإنسان في سلم الإنفاق؟

بالتالي فإن إصلاح الأجور يحتاج إلى اقتصاد قادر على حماية قيمتها، عبر السيطرة على التضخم، واستقرار العملة، ودعم الإنتاج، وإصلاح الضرائب والجبايات، وضبط الإنفاق، ووقف التجنيب، ومكافحة الفساد، وتوجيه الموارد نحو القطاعات المنتجة والتعليم والصحة.

كما أن تعدد الجبايات والرسوم ومراكز التحصيل في ظل الحرب لا يثقل المواطن فقط، وإنما يفتت الوعاء المالي للدولة ويجعل المواطن يدفع ثمن تعدد السلطات الاقتصادية كما يدفع ثمن تعدد السلطات السياسية.

الدولة الحديثة لا تقاس فقط بقوة أجهزتها أو حجم مؤسساتها، وإنما أيضاً بسؤال بسيط: هل يشعر المواطن أن الدولة ملك له؟. إذا كانت الامتيازات تتسع لفئة محدودة بينما يعيش غالبية العاملين على حافة العوز، فإن مفهوم المواطنة نفسه يتعرض للاهتزاز. أما الدولة العادلة فهي التي تجعل الوظيفة العامة تكليفاً لا غنيمة، والمال العام أمانة لا مورداً للنفوذ، والمنصب مسؤولية لا امتيازاً شخصياً. بالتالي يجب ان تنتقل الدولة من دولة الامتياز إلى دولة المواطن.

وهنا تلتقي القضية الاقتصادية بالقضية السياسية، فإصلاح الأجور لا ينفصل عن إصلاح الخدمة المدنية، وإصلاح الخدمة المدنية لا ينفصل عن إصلاح الدولة، وإصلاح الدولة لا ينفصل عن إعادة بناء العلاقة بين السلطة والمجتمع.

المسألة في النهاية ليست: كم يتقاضى هذا المسؤول؟ ولا كم ينبغي أن يكون راتب الموظف؟ السؤال الأعمق هو:

أي دولة نريد؟. دولة يكون فيها القرب من السلطة طريقاً إلى الامتياز، أم دولة يكون فيها المال العام خاضعاً للقانون والرقابة؟. دولة تنفق على الحرب ثم تبحث عن المال للتعليم والصحة، أم دولة ترى في الإنسان والإنتاج والخدمة العامة أساساً لأمنها ومستقبلها؟

إن السودان بعد الحرب لن يحتاج فقط إلى إعادة بناء المباني والمنشآت، بل إلى إعادة بناء فلسفة الإنفاق العام. فالمعلم ليس بنداً في الموازنة، بل صانع مستقبل. والطبيب ليس تكلفة، بل حماية للمجتمع. والجامعة ليست مبنى، بل رأس مال معرفي. والخدمة المدنية ليست عبئاً على الدولة، بل إحدى أدوات بقائها. ولهذا فإن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي يبدأ عندما يستعيد المال العام وظيفته، وتستعيد الخدمة العامة كرامتها، ويستعيد المواطن ثقته في الدولة.

فالدولة التي تجوع قاعدتها وتبذخ قمتها لا تعاني أزمة مال فقط؛ إنها تعاني أزمة معنى. أما الدولة التي تجعل المال العام في خدمة الإنسان، فتكون قد بدأت الانتقال من دولة الامتياز إلى دولة المواطن، ومن اقتصاد الحرب إلى اقتصاد المستقبل.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.