“رأيت كل شيء”.. شهادة رزق والحسيني في مقدمة النور

صحيفة الهدف

 يوسف الغوث

في مركز التسامح بحي الدقي – القاهرة، حيث تغسل الجراح بماء النيلين، وتلفح الأرواح بنسيم الكنانة، وتحت عين الصادق سمل الذي جعل من فقد ابنه قنديلاً للعطاء، يُزفّ إلينا يوم الأحد القادم، في السادس من سبتمبر، كتابٌ ليس كالكتب، كتاب “رأيت كل شيء” للبروفيسور صديق تاور كافي عضو مجلس السيادة الانتقالي، ذلك الرجل الذي وقف على جمر التاريخ فلم يحترق، بل كتب بحبرٍ من دمه ودموع شهوده.

وقد شاء لهذا الكتاب أن يسبقه نور من كلمتين، فكتبت مقدمته قامتان: الأستاذ عبد الله رزق، الذي حمل السودان في نبض قلمه، فكان صوته صدىً للحقيقة، والأستاذة أسماء الحسيني، مدير تحرير جريدة الأهرام القاهرية، التي وسَّعت رؤيتها لتشمل النيلين، فجعلت من مقدمتها جسراً بين القلوب، فأضاءت الكلماتُ في مقدمتهما الطريقَ للقارئ، وفتحت نافذةَ روحٍ على ما سيأتي في ثنايا الشهادة.

وتحت رعاية اللجنة التي يقودها هاشم مطر، ذلك الأب الذي فقد فلذة كبده فلم يخرّ صريعاً، بل قام من رماده حامل حقٍّ يقود سفينة النجاة في بحر الألم.

بين دفتي هذا الكتاب لا تطوى أوراق، بل تنطق جراح، وتشهد أرواح لم تغب، وتُسمع أمهات ثكالى لم تنم عيونهن منذ رحيل فلذات أكبادهن.

إنه كتاب يخلد الشهداء الذين رفعوا التراب عن وجه الوطن، ويروي للأجيال أن السودان، وإن جرحته الرياح، يبقى قصيدةً لا تموت.

البروفيسور صديق تاور كافي لم يكن مجرد عابر في غرفة السلطة، بل كان عيناً لا تغمض، وقلمَ أمانةٍ لا يخون، دوّن ما رأى بشفافية الصادقين وصدق المُحبِّين، ليقدّم شهادة ليست نهاية التاريخ، بل قطعة من فسيفساء الحقيقة، فكما يقول الناقد عبد الله موسى أحمد، إن قيمة الشهادة ليست في أنها تملك الحقيقة المطلقة، بل في أنها تضيف ضوءاً جديداً للصورة.

والسؤال الذي يهمس به الكتاب في أذن القارئ ليس: هل رأى صديق تاور كل شيء؟ فهو في مركز الأحداث رأى ما رأى، بل: “ماذا رأى وكيف رأى؟ وما الذي قد يكون غاب عنه وهو داخل القصر بينما الشارع يهتف خارج الأسوار؟”

هنا يكمن عمق الكتاب، فهو يفتح النافذة على أزمة السودان الجوهرية: ثورة ديسمبر التي هزّت العرش لكنها لم تُؤسس الدولة، وصراع المدنيين والعسكريين الذي كان كحبل المشانق يلف عنق الانتقال، ونخبةٍ سياسية اتفقت على الإسقاط واختلفت على البناء، فتحولت الفرصة التاريخية إلى غبارٍ تبعثر في رياح الح.رب حين اندلعت نار 15 أبريل، كنتيجةٍ حتميةٍ لفشل إدارة المرحلة.

إنه كتاب يطرح علينا سؤالاً مصيرياً: هل رأينا نحن الصورة كاملة، أم أننا قنعنا بزاوية ضيقة ثم بنينا عليها الحقيقة كلها؟ إن المأساة الحقيقية ليست في أن السودانيين لم يروا ما حدث، بل في أنهم رأوه واختلفوا في تفسيره، وتفرقوا في قراءته، فغاب عنهم الاتفاق على ما ينبغي فعله بعد ذلك. لكن الكتاب، برغم نزفه، يظل رسالة أمل، يدعو السودانيين أن يتحولوا من ضحايا الصراع إلى بناة الدولة، وأن يعلنوا إجماعاً وطنياً بأن الدولة فوق الحزب، والقانون فوق السلطة، والمؤسسة فوق الفرد، والمواطنة فوق القبيلة، والديمقراطية فوق الانقلاب، والسلام فوق البندقية.

عندها فقط، وعندما ترفع الأرواح فوق الجراح، يمكننا أن نقول إننا لم نكتفِ بأن نرى كل شيء، بل بدأنا أخيراً نفهم كل شيء، ونسلّم على السودان أرض الشهداء والعظماء، ونصلّي على مصر التي وسعتنا وأحضنتنا، ونبارك لكل من آمن بالحقيقة وجعل منها جسراً إلى غدٍ أبهى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

#ملف_الهدف_الثقافي #صديق_تاور #رأيت_كل_شيء #السودان #ح.رب_السودان #دارفور #ثورة_ديسمبر #القاهرة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.