الحرب التي لم تنتهِ: أطفال السودان يحملون الرصاص داخل رؤوسهم

صحيفة الهدف

د. جمال الجاك

منذ اندلاع ح.رب 15 أبريل 2023، عاش الأطفال السودانيون واحدة من أقسى التجارب الإنسانية؛ فقد وجدوا أنفسهم في مواجهة القصف والعنف والنزوح وفقدان الأمان، إلى جانب انهيار كثير من منظومات الحماية والتعليم والرعاية. وبينما حظيت الخسائر البشرية والمادية باهتمام واسع، تدور ح.رب أخرى في الظل، جبهتها عقول الأطفال وأرواحهم.

تترك هذه التجارب آثاراً نفسية وسلوكية عميقة، أبرزها اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، الذي قد يظهر في صورة كوابيس متكررة، واستعادة مشاهد الصدمة، والخوف الشديد من الأصوات المفاجئة، وفرط اليقظة، واضطرابات النوم وصعوبة التركيز. كما قد يعاني الطفل من القلق والانطواء، والخوف من الابتعاد عن الوالدين خشية فقدانهما.

وتظهر لدى بعض الأطفال، خصوصاً الأصغر سناً، حالات من التراجع السلوكي؛ مثل التبول اللاإرادي، ومص الإصبع، والتعلق المفرط بالوالدين أو الأشياء، والتلعثم، إلى جانب نوبات الغضب والسلوك العدواني. وفي حالات النزوح الطويل، قد تظهر أيضاً علامات الاكتئاب وفقدان الرغبة في اللعب، وتراجع النشاط والشعور باليأس أو الذنب.

ولا يمكن التعامل مع هذه الأعراض بالانطباع أو التخمين، بل تحتاج إلى تقييم نفسي علمي يراعي ظروف الح.رب والنزوح. ومن الأدوات المستخدمة في هذا المجال استبيان نقاط القوة والصعوبات (SDQ)، ومقياس اضطراب ما بعد الصدمة للأطفال (CPSS)، إلى جانب الملاحظة السلوكية، وتحليل اللعب والرسم، والمقابلات الموجهة مع الوالدين أو مقدمي الرعاية.

أما العلاج، فيتطلب مستويات متكاملة، من بينها العلاج المعرفي السلوكي الموجه للصدمات (TF-CBT)، والعلاج باللعب والفن، إلى جانب برامج الدعم النفسي والاجتماعي القائمة على المجتمع. وتكتسب المساحات الصديقة للأطفال أهمية خاصة؛ لأنها توفر بيئة آمنة تساعد على استعادة الروتين، واللعب، والتفاعل الاجتماعي، والتعبير عن المشاعر.

كما يمثل دعم الأسرة جزءاً أساسياً من عملية التعافي. فمساعدة الوالدين على فهم سلوك الطفل والاستجابة له بهدوء، وتجنب العنف والتوبيخ، وتشجيعه على التعبير عن خوفه ومشاعره، يمكن أن تعزز قدرته على استعادة الشعور بالأمان.

إن آثار ح.رب 15 أبريل على أطفال السودان لا تقل خطورة عن آثارها المادية؛ فهي قد تمتد لسنوات وتؤثر في مستقبل المجتمع كله. ولذلك فإن حماية هذا الجيل تتطلب الانتقال من الاستجابة الإغاثية المؤقتة إلى استراتيجية وطنية مستدامة للصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، تبدأ بالتشخيص المبكر ولا تنتهي بانتهاء الح.رب.

#ملف_الهدف_الثقافي #د_جمال_الجاك #أطفال_السودان #الصحة_النفسية #دعم_نفسي #حرب_السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.