حوار العدد: التشكيلي والشاعر بدر الدين محمد النور (أبو عمر) لــ”ملف الهدف الثقافي”: (1-2)

صحيفة الهدف

الفنان التشكيلي والشاعر والمصمم بدر الدين محمد النور (أبو عمر)، خريج معهد الفنون التشكيلية بجامعة السودان، وأحد أبرز رواد تصميم أغلفة الكتب والدواوين الشعرية في المشهد الثقافي السوداني، حيث تجاوزت أعماله الوظيفة البصرية إلى بناء علاقة جمالية عميقة مع النص. جمع في مسيرته بين الريشة واللون والكتابة الشعرية بالفصحى والعامية، ليقدم تجربة متكاملة بين التشكيل والأدب.

يفتح بدر الدين في هذا الحوار مع #ملف_الهدف_الثقافي دفاتر تجربته الطويلة متطرقاً لعدة محاور جوهرية:حوار يكشف بدر الدين الفنان.. وبدر الدين الإنسان.

حوار: عبدالمنعم مختار

#ماذا أضافت مدينة مدني لبدر الدين الفنان التشكيلي وبدر الدين الإنسان؟

مدينة مدني، بيني وبينها عشق.. أنجبتني وأرضعتني وحبوت في ترابها، ودرست في مدارسها العتيقة؛ النهر الأولية والأميرية الوسطى، التي درس فيهما محمد نجيب وعبد العزيز شدو ونميري وغيرهم. فكتبت فيها: ما جفوتك لم أزل في دفتر التاريخ عاشق بعد أسفار السنين الأربعين فاغفري لي إنني كنت مُقِلًّا في الإياب غير أني كل أحبابي هنالك.. في التراب والاغتراب. وكتبت فيها: تدخل الفرحة أطراف الديار (قبة السني) شموخ ووقار (جامع) الحي وأصلي والنسب فأنا لمدني أنتسب. ففي (قيفة) نيلها الأزرق متعت عيني، وسبحت في الأحلام، وغذيت بصري بلوحات كانت فيما بعد ذخيرتي وألواني ولوحاتي في مشوار التشكيل في كلية الفنون.

#أنت من الجيل الذي شهد تحولات كبرى في الفن السوداني، من اللوحة التقليدية إلى الفن الرقمي. كيف تنظر إلى هذه الرحلة؟ وهل كسب الفن شيئًا وخسر أشياء أخرى مع دخول التكنولوجيا؟

في أواخر التسعينيات، وقد تسللت الميديا إلى صناعة الصورة والتصميم بباكورة برامجها الجرافيكية، حزمة Adobe وCorelDRAW، دعاني أستاذنا إبراهيم العوام لإقامة ندوة عن الفن الرقمي. حضرها بعض التشكيليين، أذكر منهم عتيبي وعريفي وصلاح إبراهيم. كانت الندوة للإجابة عن التساؤل حول استخدام الميديا كأداة للرسم والتلوين والتواصل وصالات المعارض.. إلخ. فقد كانت كذلك، وصارت كأنها مصباح علاء الدين؛ كلما تتخيله تحيله الميديا إلى واقع، حتى وصلت اليوم إلى محطة الذكاء الاصطناعي. جيلنا عاش مع الميديا وترعرع معها منذ ميلادها، وحصد ثمارها، مما أسهم في تجويد أدائه الجمالي.

#كنت من أوائل من أدخلوا الحاسوب إلى تدريس التلوين والتصميم في السودان. هل واجهت آنذاك مقاومة من المؤسسة الأكاديمية أو من الفنانين التقليديين؟

 وكيف أقنعتهم بأن التقنية ليست خصمًا للإبداع؟ تم تعييني لأقدم محاضرات في قسمي الجرافيك والتلوين. بالنسبة لقسم الجرافيك، ونسبة لعدم وجود حواسيب، كنت أصطحب معي الطلبة إلى مكتبي، وأقدم محاضرات عن برامج الجرافيك والتدريب عليها. أما بالنسبة لطلاب قسم التلوين، فكنت أقدم، خارج المقرر، محاضرات تسهّل استيعاب المقرر وتساعد على التمكن من تجويد العمل، مثل أنظمة الألوان في الفوتوشوب، وتوليد الألوان والدرجات اللونية، وتحليل اللوحات، واستعراض الأعمال العالمية، والتدريب على استخدام البرامج. وكانت تلك المحاضرات تجتذب طلاب الأقسام الأخرى، فيتوافدون لحضورها. وفيما بعد وُضعت ضمن برامج المنهج العام للطلاب. أيضًا تواصل تقديم المحاضرات المجانية لطلابي من خلال مكتبي الخاص (بدر جاليري).

#الهوية السودانية اليوم تواجه أسئلة صعبة بفعل الحرب والانقسامات. برأيك، ما الدور الذي يستطيع الفن التشكيلي أن يؤديه في إعادة تشكيل الوعي والهوية الوطنية الجامعة؟

الهوية أفهمها أنها جذوري وتاريخي وجغرافيتي ومعتقدي، وهي بوتقة تنصهر فيها مكونات سبيكة الذهب السوداني. الفنان التشكيلي الذي يصنع الجمال بمعاييره، ويؤاخي بين الأسود والأبيض، ويجانس بين الأزرق والأحمر والأخضر والأصفر، في إطار من الجمال، هو أكثر الناس سعيًا في الحفاظ على سبيكة الهوية ذات العيار الرفيع. أنا أضع نفسي ضمن الكوكبة التشكيلية التي تحقق ذلك يومًا ما.

#لطالما كانت العلاقة بين الفنان والسلطة علاقة معقدة. هل ترى أن الفنان ينبغي أن يبقى مستقلًا عن السلطة مهما كانت، أم أن التعاون معها قد يكون ضرورة لخدمة المشروع الثقافي؟ فهمي للسلطة هي إدارة الوطن، وتحقيق وتوزيع ثرواته، وتأمين مواطنيه ومقدراته، وإدارة دولاب الصحة والتعليم، وإقامة العدل. فالشريحة التي تتولى السلطة يجب أن تكون قد وصلت إلى هذا التكليف عن استحقاق بطرقه المعروفة، وأن تكون جديرة به من حيث النزاهة والتجرد والنأي عن المكاسب الشخصية. وعلى الفنان التشكيلي عدم الانفصال عن السلطة؛ فلها عنده حق التوجيه، وله عندها ما للشرائح الثقافية من حقوق، ولكن لا يخوض في شأن السلطة بأدوات السلطويين. فأدوات الفنان تختلف؛ ليس فيها دهاء ولا مداهنة، بل شفافية وصدق ودعوة لقيم الخير والحق والجمال.

#ملف_الهدف_الثقافي #بدر_الدين_محمد_النور #فنون_تشكيلية #ثقافة_سودانية #أدب_وفن #تصميم_أغلفة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.