د. توتا صلاح مبارك
ارتفع صوتها، وتناثرت كلماتها ساخنة حين التهب الحديث وتصاعدت حرارته، كما يحدث دائماً عند ملامسة ذلك الوتر المحتقن: الحركة الشعبية لتحرير السودان.
سألتها إحداهن:
— هي الحركة الشعبية دي شنو؟ واتأسست متين؟
أجابتها بثينة، وابتسامة رقيقة تحتل وجهها:
— هي الحركة السياسية، وجيش التحرير الشعبي جناحها العسكري، بقيادة جون قرنق. واتأسست سنة 1983.
سألتها أخرى، ببراءة قد تُبطن غير ما تُظهر:
— هو جون قرنق ده داير شنو بالضبط؟
أجابتها بدهشة مَن استفزّها سؤال كان يجب، في نظرها، ألا يُسأل:
— داير يعيد صياغة الهوية.
وأضافت ذات السائلة، وبذات البراءة المدّعاة:
— أها… والهوية دي يعيدوا صياغتها كيف؟
قالت بثينة، بصبر بدأ ينفد:
— بالاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي والعرقي في السودان، وتفعيله باعتباره عنصر قوة، وليس مصدراً للنزاع.
اتسعت عينا المتسائلة دهشة، وأردفت بسؤال آخر:
— أها… ودا ذاتو بتحقق كيف؟
واصلت بثينة، بتأنٍ صبور، شرحها:
— بإعادة صياغة منهج الحكم في السودان؛ بتفكيك المركزية، وتحقيق التحول الديمقراطي.
انتهى الحديث، كما في سابق المرات، بدهشة لا تنم عن اقتناع لدى مَن كان يناقشها أو يستمع إليها.
وانصرفت هي لمعاودة مرضاها، بخطوات تلامس الأرض بذات حماسها الذي تتحدث به، وبقامة فارعة، كأنها ــ وكما كانت تداعبها صديقاتها ــ قد استبدلت بعض جيناتها بجينات اختطفتها من الدينكا، رغم انتمائها إلى قبيلة اللاتوكا.
كان يزينها شعر قصير، كعشبة استوائية عشقت الأرض وفضّلت أن تبقى ملتصقة بها.
لم تلتفت إلى الأعين التي كانت ترشقها بنظرات الإعجاب ،فقد كانت تميزها أناقة بائنة، تمتزج فيها ذائقة أوروبية بلمسة أفريقية، تتبدى في ألوان زاهية ونقوش ثرية.
ابتسمت ذات مرة لسؤال إحداهن إن كانت تجيد لغة قبيلتها؛ فقد كانت تتحدث العربية من غير انكسار.
ومع ذلك، لم تتنكر للغة الجذور، لغة اللاتوكا، التي تعلمتها في ملكال؛ بقعة الميلاد ونقطة البدايات التي أتتها أسرتها من توريت، عقب ما أُطلق عليه «أحداث توريت» أو «تمرد توريت» عام 1955، حين اقتتل الإخوة، وسال الأحمر القاني يروي أرضاً كانت على موعد مع زخات المطر.
نعم، لم تكن اللغة العربية لديها لغة الغرباء.
فوالدها، الذي كان يفخر بانتمائه إلى قبيلة اللاتوكا ويتحدث لغتها، كان «عربي جوبا» أداته اللغوية في المسجد الذي كان يؤم فيه المصلين؛ فقد كان إماماً حسن دينه و خُلقه.
أما هي، فلم تلتبس عليها اللغات، ولم تغرق في لُجّة عربي جافاه الانكسار، وعربي جوبا، ولغة اللاتوكا.
كانت تطفو فوق ذلك كله بلغة أكثر حقيقة:
لغة الكبرياء… والانتماء إلى السودان الذي تحلم به؛ سوداناً جديداً يحتضن التنوع والتباين.
كسَتْ وجه والدها، إمام المسجد، غمامة فرح كادت تكنس غضون السنين، حين زفّت إليه خبر تخرجها من كلية التمريض العالي.
لم يعبث بصفاء لحظته إلا حقيقة أنها سوف تبقى في الخرطوم.
كان يتوق إلى عملها في ملكال، ليرى ثمرة مجهوده حاضرة أمامه، تنبئ الشاهدين بما أنجز.
لكنها اختارت أن تبقى في الخرطوم؛ المدينة التي تعلمت فيها وعاشت بعض سني حياتها.
كان يسكنها عشق لتلك المدينة الحارقة، دفعها إلى العودة إليها من بريطانيا حين ذهبت مبتعثة.
لم تراودها فكرة البقاء هناك، التي استهوت الكثيرين ،فقد كان الحنين يضج بدواخلها، محرضاً إياها على العودة.
كانت سودانية الهوية، و«شمالجنوبية الهوى».
بعد أفول شمس عملها في ذلك اليوم، كانت في طريقها إلى «ميز السسترات» حيث تسكن.
وكانت شمس السماء أيضاً على موعد مع أفول مؤقت ، سبقته حمرة قانية أسبغت على روحها مشاعر خوف وتشاؤم، فقد ذكّرتها بالدماء التي سالت كثيراً في أرض الجنوب.
ذلك الانقباض لم يفارقها حتى عندما ناداها حارس الميز، معلناً عن وجود زائر.
لم تفرح، كعادة الصبايا في ذلك المكان ، فالزائر قد يكون خطيباً أو حبيباً أو مشروع أحدهما.
أسرعت خطاها لملاقاة الزائر.
كان أحد أقربائها.
وكانت تحيته دموعاً غزاراً ونشيجاً اختلطت به عبارة متقطعة:
— البركة فيك… أبوك اتوفى. ربنا يرحمو.
أفاقت وهي على سرير أبيض في ذات المستشفى الذي تعمل فيه، وزميلاتها يحطن بها، وهن يتهامسن:
— والدها، إمام الجامع، قُتل في هجوم الجيش! سبحان الله!
حُفرت في ذاكرتها مرارة ذلك اليوم.
كان لاذعاً، مالحاً، موجعاً.
حزنها لم يكن فقط حزن ابنة على وفاة والدها.
كان فجيعة.
كان كارثة.
بل كان يفوق ذلك كله.
كان خذلاناً.
فموت والدها لم يأتِ موتاً طبيعياً ترتب على مرض، بل حدث في هجوم قام به الجيش السوداني.
نعم، قُتل في حرب خاضها الجيش السوداني بأمر نظام سياسي أسبغ عليها، زوراً وبهتاناً، قداسة دينية زائفة، وغرّر فيها بشباب يفع، بترهات الموهومين، وبوعود بالحور العين، ودفع بهم إلى الموت تحت راية «الجهاد» و«الاستشهاد».
وكانت تلك الحرب، في أوج احتدامها، قد ابتكرت طقوسها الخاصة للموت ، فإذا سقط شاب، خرجت نساء من أنصار النظام يزغردن لاستقبال «الشهيد» وإقامة عرسه.
عرسه… ولكن عرسه ممن ؟
كانت بثينة كلما عادت إليها تلك الصورة تتوقف عند السؤال الذي لم تجد له جواباً:
أمن الحور العين؟
نعم لقد كانت حرباً تفتك بأبرياء؛ مسيحيين، ولا دينيين، ومسلمين.
لا فرق.
لم يبرأ ذلك الجرح في قلبها.
ظل نازفاً، ملتهباً.
لقد قُتل والدها على يد ذات الجماعة التي تنتمي إلى دينها، والتي أشعلت حرباً تزعم حمايته، زوراً وبهتاناً.
أصبح عقلها ساحة لصراع محتدم ،تتضارب فيه الأفكار، وتتساقط القناعات، فتقضي ليالي كاملات تستجدي النوم، فيأبى، ويستعصي، ويتمنع.
كانت تفكر أن السلام أحد أسمائه تعالى، لا الحرب ولا التقتيل.
هل الإله حاضر في حربهم تلك، أم غيّبوه وأحلّوا محله سرديات الجهل، كسردية الغزالة التي قيل إنها جاءت بنفسها إلى المجاهدين وطلبت منهم أن يذبحوها لتكون طعاماً لهم؟
مرت الأيام متثاقلة، تنوء بحزن كثيف، وأسئلة تستجدي أجوبة مستحيلة، وقناعات تتصارع وتتضاءل، لتخلي مساحات لشك يتنامى ويكبر.
لم يغب عن صويحباتها ما طرأ عليها من تغيير، كما لم يغب عنهن تغيّبها في صباحات أيام بعينها، وهنّ اللواتي رافقنها في كل مشاويرها الصغيرة.
ذلك اليوم، وكان يوم أحد، ذهبت إلى مشوارها الصباحي، وعرجت بعده إلى دار إحدى صديقاتها التي دعتها إلى مناسبة عائلية وألحت علي حضورها.
نظرت إليها صديقتها ملياً.
ثم نظرت إلى صدرها، حيث تتدلى سلسلة ذهبية كبيرة تحمل ذلك الرمز ذا الدلالة الدينية التي لا تخفى.
رفعت بثينة عينيها إليها، ولم تقل شيئاً.
كانت قد قالت كل شيء.
وعندما حان وقت تناول الغداء وجلست بثينة، انصرفت بعض الصبايا من مجلسها، وهن يرددن:
— بري… ما بناكل معاها دي مرتدة!
زجرتهن الأخت الكبرى، وذكّرتهن بالآية القرآنية:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾.
ساد الصمت.
أما بثينة، فظلت تحدّق في السلسلة الذهبية التي استقرت على صدرها.
كان الصليب ساكناً.
وحدها كانت الأشياء في داخلها لا تكفّ عن الحركة.

Leave a Reply