علماء بيزنطة الجدد… حين تحترق الأوطان ونختلف حول جنس الملائكة

صحيفة الهدف

د. أحمد الليثي

تُروى عن الأيام الأخيرة للإمبراطورية البيزنطية حكايات كثيرة، أشهرها أن القسطنطينية كانت محاصرة، والمدافع تدك أسوارها، بينما كان بعض علمائها ورجال دينها منشغلين بجدالات من قبيل: هل الملائكة ذكور أم إناث؟ وأيهما سبق، الدجاجة أم البيضة؟

والحقيقة أن هذه الروايات بصيغتها الشائعة لا تقوم على توثيق تاريخي قوي، وربما دخلها كثير من المبالغة والأسطرة. لكن بقاءها في الذاكرة الإنسانية لم يكن بسبب دقتها التاريخية، بل لأنها تحولت إلى استعارة شديدة الدلالة: أن يحترق البيت، وينشغل أهله بالجدل حول لون الستائر.

ولكل عصر علماء بيزنطة خاصته. ليسوا بالضرورة رجال دين، فقد يكونون سياسيين، ومثقفين، وأكاديميين، وكتّاباً، وناشطين، وإعلاميين، بل أحياناً جماعات كاملة تنشغل بأسئلة صغيرة بينما تقف أمامها أسئلة أكبر تتعلق بالحياة والموت ومستقبل المجتمع.

والمشكلة ليست في السؤال ذاته. فلا يوجد سؤال محرّم على العقل، ومن حق الباحث أن يعيد النظر في التاريخ والتراث والسياسة والثقافة، وأن يسأل حتى الأسئلة التي تبدو غريبة أو صادمة. لكن هناك فرقاً بين حرية السؤال وفقه الأولويات. فليس كل ما يستحق البحث يستحق أن يصبح معركة المجتمع الآن.

في الدين مثلاً، من المشروع نقد التراث وتمحيص الروايات ومناقشة السنة ومناهج نقلها. وقد فعل علماء المسلمين ذلك منذ قرون. لكن أن يتحول بعض الخطاب الفكري، في لحظة تاريخية بالغة الخطورة، إلى معارك حول ما إذا كانت صلاة الجمعة موجودة أصلاً أم اختراعاً لاحقاً، أو إلى هدم واسع للسنة والموروث الديني، أو إلى اجتهادات غريبة حول ما إذا كانت الخِطبة تبيح للخاطب معاشرة مخطوبته قبل عقد الزواج، فالسؤال هنا لا يعود فقط: هل هذه الآراء صحيحة أم خاطئة؟ بل يصبح: لماذا أصبحت هذه قضايانا الكبرى الآن؟

فالناس لا تعيش داخل الكتب وحدها. هناك مجتمعات تتفكك، وأسر تتشرد، وأجيال تفقد التعليم، وفقر يتسع، وقيم تتآكل، وتدين نفسه يحتاج إلى خطاب يعيد إليه الرحمة والأخلاق والمعنى، ومع ذلك يستطيع بعضنا أن يترك كل ذلك ويخوض معركة فكرية طويلة لإثبات أن المسلمين ربما ظلوا أربعة عشر قرناً يصلون صلاة لم تكن موجودة أصلاً!

وللسياسة أيضاً علماء بيزنطة. وهم أولئك الذين يستطيعون، بينما الوطن يتشظى، أن يقضوا أعمارهم في الجدل حول من كان أكثر ثورية، ومن خان من قبل ثلاثين عاماً، ومن يملك النقاء السياسي الكامل، ومن قال العبارة الخطأ في اجتماع قديم. تنهار الدولة، وهم يتجادلون حول المصطلحات. يموت الناس، وهم يتنافسون على البيانات. يتسع الجوع، وهم يختلفون حول ترتيب المقاعد. تتفكك المؤسسات، وهم يبحثون عمّن ينتصر في معركة صغيرة داخل حزب أو تحالف أو تنظيم. وكأن السياسة لم تعد فن إنقاذ الممكن، بل فن إثبات أنني كنت على حق وأن خصمي كان على خطأ.

وفي الثقافة نجد الصورة نفسها. قد تتحول قضايا اللغة والهوية والمصطلحات والرموز إلى حروب طويلة، بينما يتراجع التعليم، ويضعف الإنتاج المعرفي، وتختفي عادة القراءة، وتتآكل المؤسسات الثقافية نفسها. نختلف حول تعريف المثقف أكثر مما نسأل: ماذا أنتج المثقف؟ ونناقش هوية المجتمع طويلاً، بينما نفشل في بناء المدرسة التي ستصنع وعي أطفاله. ونتجادل حول الماضي، بينما لا نملك مشروعاً للمستقبل.

حتى وسائل التواصل الاجتماعي صنعت نسختها الخاصة من “علماء بيزنطة”. فالخوارزميات لا تسأل عن أهمية القضية، بل عن قدرتها على إثارة الناس. ولهذا كثيراً ما تنتصر القضية الأكثر استفزازاً على القضية الأكثر أهمية. رأي غريب في الدين قد يحصد آلاف التعليقات، بينما دراسة جادة عن التعليم لا يقرأها إلا القليل. معركة شخصية بين سياسيين قد تشغل الناس أياماً، بينما تقرير عن الجوع أو انهيار مؤسسة عامة يمر في صمت. وهكذا لا تحدد أولوياتنا دائماً خطورة ما يحدث، بل مقدار الضجيج الذي يستطيع أن يصنعه.

وهذا يصبح الأمر أخطر من مجرد سوء اختيار للموضوعات. إنه اختلال في ميزان الأهمية. فالإنسان والمجتمع يملكان قدراً محدوداً من الانتباه والطاقة والوقت. وكل ساعة نقضيها في معركة هامشية هي ساعة لا نمنحها لسؤال ربما كان أكثر إلحاحاً.

وليس المقصود أن نتوقف عن الفلسفة أو الجدل الديني أو النقد الثقافي حتى تنتهي الحروب ويزول الفقر. فالمجتمعات لا تعيش بالخبز وحده، والأسئلة الفكرية الكبرى جزء من بنائها ونهضتها. المقصود شيء أبسط وأعمق: أن نعرف حجم السؤال الذي أمامنا، وحجم اللحظة التي نعيشها.

هناك فرق بين سؤال فكري يناقش في ندوة متخصصة، وبين قضية تستحق أن تستنزف المجال العام. وهناك فرق بين تجديد الدين وبين تحويل الدين إلى سلسلة من الصدمات الفكرية. وبين نقد السياسة وبين إدمان الخصومات السياسية. وبين مساءلة الثقافة وبين الانشغال بمعاركها الصغيرة عن بناء الإنسان. وبين الحرية الفكرية وبين فقدان البوصلة.

ربما كانت إحدى أزمات نخبنا اليوم أنها تعرف كيف تسأل، لكنها لا تسأل دائماً السؤال الأكثر أهمية. والذكاء وحده لا يكفي. قد يكون الإنسان شديد الذكاء، واسع المعرفة، قادراً على بناء أكثر الحجج تعقيداً، لكنه يستخدم كل ذلك في الإجابة عن سؤال لا يحتاج المجتمع الآن إلى إجابته.

وهنا يصبح فقه الأولويات جزءاً من المسؤولية الأخلاقية للمثقف. فالمثقف ليس مطالباً بأن يقول للناس ما يحبون سماعه، لكنه أيضاً ليس معفياً من سؤال نفسه: ما الذي يحتاج مجتمعي إلى التفكير فيه الآن؟ ما الخطر الحقيقي؟ ما الذي إذا لم نواجهه اليوم قد لا نجد غداً مجتمعاً نتجادل داخله؟

السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس فقط: من كان على حق؟ بل: كيف نوقف الحرب؟ ليس فقط: من يملك التفسير الصحيح للماضي؟ بل: كيف نبني مستقبلاً يمكن أن نعيش فيه معاً؟ ليس فقط: ما الذي نختلف حوله؟ بل: ما الذي يمكن أن يجمعنا رغم اختلافنا؟ ليس فقط: كيف نهدم الأفكار القديمة؟ بل: ماذا سنبني مكانها؟

فالهدم سهل، أما البناء فيحتاج إلى معرفة ومسؤولية وخيال. وربما كان الدرس الحقيقي من استعارة علماء بيزنطة ليس السخرية من أولئك الذين ناقشوا أسئلة غريبة قبل قرون، وإنما أن ننظر إلى أنفسنا.

فقد تكون الأسوار اليوم تتصدع حولنا، بينما نحن منهمكون في معارك نظنها عظيمة لأنها تملأ شاشات هواتفنا. وقد يكون السؤال الذي سيطر على يومنا كله، بعد سنوات قليلة، بلا قيمة. وقد ينظر جيل قادم إلى بعض معاركنا الفكرية والسياسية والدينية والثقافية، ثم يسأل بدهشة: أكان هذا حقاً ما يشغلهم بينما كان وطنهم يحترق؟

المشكلة إذن ليست أن نسأل عن جنس الملائكة. المشكلة أن نفعل ذلك بينما النار تقترب من الباب، ثم نتصرف وكأن سؤالنا هو القضية الأكثر إلحاحاً في العالم. فالأمم لا تضيع فقط لأنها لا تمتلك الإجابات. أحياناً تضيع لأنها، في اللحظة الحاسمة، كانت منشغلة بالأسئلة الخطأ.

#ملف_الهدف_الثقافي #أحمد_الليثي #فكر_سوداني #ثقافة #فقه_الأولويات #مجتمع

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.