هندسة الخوف.. كيف وظّف نظام الإنقاذ «علم النفس المظلم» لإخضاع السودانيين؟

صحيفة الهدف

د. جمال الجاك

الهدف – آراء حرة

لم يكن بقاء نظام الإنقاذ لثلاثة عقود مجرد نتاج للبطش الأمني أو التفوق العسكري، كما لم يكن استمرار السلطة طوال تلك السنوات مجرد مصادفة سياسية. فقد اشتغل النظام، بصورة ممنهجة، على إعادة تشكيل وعي المجتمع وسلوكه، مستخدمًا مزيجًا من القمع المباشر، والدعاية، والتخويف، والعزل الاجتماعي، وإعادة تعريف الواقع؛ أي ما يمكن أن نطلق عليه، بصورة مجازية، «هندسة الخوف».

وإذا كان مصطلح «علم النفس المظلم» يُستخدم لوصف مجموعة من أساليب التأثير والتلاعب النفسي، فإن تجربة الإنقاذ تقدم نموذجًا سودانيًا جديرًا بالتأمل في كيفية انتقال الاستبداد من السيطرة على الجسد إلى السيطرة على الوعي.

في البدايات، جرى توظيف الخطاب الديني والشعارات الكبرى والوعود بالتمكين لبناء حالة من الولاء السياسي والأخلاقي، بحيث يصبح نقد السلطة، في وعي قطاعات من المجتمع، أقرب إلى الخروج على الدين أو الجماعة أو الوطن. كانت تلك مرحلة من الإغراق العاطفي؛ حيث تُرفع الشعارات إلى مستوى المقدس، وتُبنى حول السلطة صورة خلاصية، قبل أن يتحول الخطاب نفسه إلى أداة للفرز والإقصاء.

لكن الاستبداد لا يحتاج إلى إقناع الجميع؛ يكفيه أن يجعل المواطن يشك في قدرته على فهم ما يحدث حوله.

وهنا برزت آلية أخرى يمكن وصفها بـ «التشكيك في الواقع» (Gaslighting). فمع كل أزمة اقتصادية أو سياسية أو أمنية، كانت المسؤولية تُدفع إلى الخارج: مؤامرات دولية، حصار، أعداء، متآمرون، أو قوى تستهدف السودان. ومع تراكم الأزمات، أصبح المواطن أمام واقع متدهور وتفسير رسمي يناقض ما يراه ويعيشه يوميًا. وبمرور الوقت، لا يعود السؤال: «لماذا حدث هذا؟»، بل يصبح: «هل ما أراه فعلًا هو الحقيقة؟».

وهذه إحدى أخطر أدوات السيطرة؛ أن يفقد الإنسان ثقته في قدرته على قراءة واقعه.

من الخوف إلى العجز

لم يكتف النظام بتضييق المجال السياسي، بل عمل على تفكيك مساحات التنظيم الاجتماعي والنقابي، وإضعاف المؤسسات الوسيطة التي يمكن أن تمنح المواطنين قدرة جماعية على المقاومة. ومع إضعاف النقابات والاتحادات والمنظمات المستقلة، أصبح الفرد أكثر عزلة وأقل قدرة على الفعل الجماعي.

وفي الوقت نفسه، جرى توظيف الانقسامات الاجتماعية والقبلية والجهوية، بصورة جعلت المجتمع ينظر إلى ذاته بوصفه جماعات متنافسة أكثر منه شعبًا ذا مصالح مشتركة.

وهنا يلتقي الاستبداد السياسي بما يعرف في علم النفس بـ «العجز المتعلم» (Learned Helplessness): عندما يقتنع الإنسان، بعد سلسلة طويلة من التجارب القاسية، بأن محاولاته للتغيير لن تؤدي إلى شيء، فيتوقف عن المحاولة حتى عندما تتاح له فرصة حقيقية للفعل.

لكن السودانيين أثبتوا، في ديسمبر 2018، أن الخوف ليس قدرًا أبديًا.

فقد خرجت الجماهير إلى الشوارع، وسقط حاجز الرهبة، وانكشف أن السلطة التي بدت عصية على الانهيار يمكن أن تسقط أمام إرادة شعبية منظمة. غير أن سقوط النظام لم يعنِ بالضرورة سقوط البنية النفسية والاجتماعية التي خلّفها وراءه.

وهنا تبدأ الحكاية الأكثر تعقيدًا.

من هندسة الخوف إلى هندسة الح.رب

إن الح.رب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 لا يمكن اختزال أسبابها في عامل واحد، ولا يمكن تحميل نظام الإنقاذ وحده مسؤولية كل ما جرى بعدها. لكن من الصعب، في المقابل، قراءة المشهد السوداني الراهن دون النظر إلى الإرث الذي تركه النظام في بنية الدولة والمجتمع والس.لاح.

لقد ساهمت سياسات النظام في عسكرة المجتمع وتوسيع دور الميليشيات والقوى المس.لحة ذات الولاءات المتعددة، كما أدى توظيف البعد القبلي والجهوي في الصراع السياسي والعسكري إلى إضعاف فكرة الجيش الوطني والمؤسسات الوطنية الجامعة.

وعندما يصبح الس.لاح مرتبطًا بالهوية، يصبح الصراع أكثر خطورة؛ لأن الخصم لا يعود مجرد منافس سياسي، بل يتحول إلى تهديد وجودي لجماعة بأكملها.

وفي مناطق النزاع، أدت سياسات الأرض والحواكير وتسييس الإدارة الأهلية إلى إضعاف آليات الوساطة التقليدية، وتحويل كثير من النزاعات المحلية إلى صراعات سياسية ومس.لحة ذات أبعاد أوسع.

وهكذا أصبح الشباب يُستقطبون تحت رايات متعددة: قبلية، جهوية، أيديولوجية أو عسكرية، وأصبح الاستنفار جزءًا من اقتصاد الح.رب ومخيلتها.

حين يصبح الهاتف جبهة ق.تال

لكن الح.رب الحديثة لا تُخاض بالس.لاح وحده.

فالهاتف المحمول أصبح ساحة معركة، ومنصة للتعبئة والتضليل والانتقام النفسي. وفي الفضاء الرقمي، لم تعد الكلمة مجرد تعبير عن موقف، بل يمكن أن تتحول إلى أداة تحريض.

تُستخدم مفردات تختزل جماعات ومجتمعات بأكملها في أوصاف شيطانية، مثل «جنجويد» و«فلول»، لتتحول الهوية السياسية أو الإثنية إلى تهمة جماعية.

كما ساهم انتشار الحسابات الوهمية والشبكات المنسقة والمحتوى المضلل في صناعة ما يشبه «الرأي العام الزائف»؛ إذ يجد المستخدم نفسه أمام سيل هائل من المنشورات والوسوم والمقاطع التي توحي بأن موقفًا معينًا يحظى بإجماع شعبي، بينما قد يكون جزء كبير من هذا الحضور مصطنعًا أو منظمًا.

وتزداد خطورة الأمر في ظل انقطاع الاتصالات أو ضعف مصادر المعلومات الموثوقة، حيث يصبح الفراغ المعلوماتي بيئة مثالية للشائعة.

الذكاء الاصطناعي.. عندما تصبح الحقيقة نفسها موضع شك

ثم دخل عامل جديد إلى المشهد: الذكاء الاصطناعي.

فالتزييف العميق (Deepfake) لم يعد مجرد تقنية تستخدم في صناعة الترفيه، بل أصبح قادرًا على إنتاج صور وأصوات ومقاطع تبدو، للوهلة الأولى، حقيقية.

وهنا تظهر أزمة أخطر من انتشار الخبر الكاذب: أزمة الحقيقة نفسها.

فحين يمكن تصنيع خطاب لم يقله صاحبه، أو تركيب مشهد لم يحدث، يصبح الجمهور أمام معضلة جديدة: ماذا نصدق؟

والأخطر أن التزييف لا يحتاج إلى أن يقنع الناس بكذبة محددة؛ يكفي أن يجعلهم يشكون في كل شيء.

وهكذا يمكن لأي طرف أن ينكر انتهاكًا حقيقيًا بالقول إنه «تزييف عميق»، ويمكن لأي صورة حقيقية أن تُتهم بأنها مفبركة. وفي هذه المنطقة الرمادية تزدهر الدعاية، ويضيع الضحايا بين الحقيقة والإنكار.

المعركة المقبلة على الوعي

لقد كشفت تجربة الإنقاذ أن الاستبداد لا يستهدف المؤسسات وحدها؛ إنه يستهدف العقل الجمعي.

فحين يُفكك المجتمع، وتُضعف مؤسساته الوسيطة، ويُزرع الخوف في أفراده، وتُستبدل المواطنة بالولاءات الضيقة، تصبح الدولة أكثر هشاشة، ويصبح المجتمع أكثر قابلية للانقسام والعنف.

ولذلك فإن الخروج من الحرب لن يكون مجرد اتفاق سياسي بين أطراف مس.لحة، ولا مجرد وقف لإطلاق النار.

إن السودان يحتاج، إلى جانب إعادة بناء الدولة، إلى إعادة بناء الثقة: ثقة المواطن في نفسه، وفي الآخر، وفي المؤسسات، وفي فكرة الوطن ذاتها.

وهذا يتطلب تفكيك خطاب الكراهية، واستعادة استقلال المؤسسات المدنية والنقابية، وإعادة الاعتبار للتعليم والإعلام والثقافة، وبناء فضاء معلوماتي قادر على مقاومة التضليل، وتعليم الأجيال الجديدة كيف تميز بين الخبر والدعاية، وبين الاختلاف والتحريض.

فالاستبداد قد يسقط في يوم واحد، لكن آثاره النفسية والاجتماعية قد تحتاج إلى سنوات طويلة كي تتعافى.

والدرس الأهم الذي ينبغي ألا نغفل عنه هو أن الح.رب لا تبدأ عندما تُطلق الرصاصة الأولى؛ أحيانًا تبدأ قبل ذلك بسنوات، عندما يُعاد تشكيل وعي الإنسان بحيث يرى جاره عدوًا، ويصبح الخوف لغة مشتركة، وتتحول الحقيقة إلى وجهة نظر.

ومن هنا، فإن معركة السودان من أجل السلام ليست معركة لإسكات البنادق فقط، وإنما معركة لاستعادة الإنسان السوداني من قبضة الخوف.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.