سلسلة: من الايمان الملتزم إلى الخصومة: قراءة في التساقط والانحراف ومسألة الإنسان في تجربة البعث

صحيفة الهدف

طارق عبد اللطيف ابوعكرمة

مقدمة السلسلة: ليست كل قراءة للتاريخ محاولة لإعادة الماضي، فبعض القراءات تكون محاولة لفهمه حتى لا يتكرر بأخطائه، ولا تبقى جراحه أسيرة الذاكرة. ومن هذا المنطلق تأتي هذه السلسلة، التي تتوقف عند دراسة الأستاذ المناضل محمد ضياء الدين حول (التساقط والانحراف وآثاره على مسيرة ومستقبل البعث)، لا باعتبارها مناسبة لاستعادة الخصومات أو توزيع الأحكام، وإنما باعتبارها مدخلاً إلى سؤال أعمق: ماذا يحدث للإنسان داخل التجربة السياسية عندما ينتقل من الالتزام إلى الاختلاف، ومن الاختلاف إلى الجرح، ومن الجرح إلى الخصومة؟

فالظاهرة التي تتناولها الدراسة لا يمكن اختزالها في أسماء أو حالات أو لحظات تاريخية منفصلة. وراء كل انقسام إنسان، ووراء كل تكتل علاقة بالموقع والاعتراف والكرامة، ووراء كل خصومة مؤسسة ربما عجزت عن احتواء خلاف في لحظته الأولى.

ولهذا تحاول هذه السلسلة أن تقرأ الظاهرة في مسارها الكامل: كيف تبدأ؟ ما أسبابها؟ كيف ينشأ التكتل؟ ماذا تقول القواعد والنظم الداخلية؟ وما الدروس التي ينبغي استخلاصها للمستقبل؟

لكنها في الوقت نفسه تطرح أسئلة أخرى لا تقل أهمية: ماذا يحدث داخل الإنسان عندما يصبح الموقع جزءاً من هويته؟ ومتى يتحول الجرح إلى خصومة؟ وهل يمكن أن يختلف الإنسان دون أن يتحول إلى خصم؟ وهل يكون الخروج من التنظيم نهاية للانتماء، أم يمكن أن يكون خروجاً بلا عداء؟ وكيف تستطيع المؤسسة أن تحمي وحدتها من دون أن تخنق حرية أعضائها؟

هذه الأسئلة تجعل القضية أكبر من مجرد دراسة في (التساقط)، إنها تضع أمامنا مسألة الإنسان نفسه: هل تستطيع الفكرة أن تصنع إنساناً أكبر من موقعه، وأقوى من جرحه، وأكثر قدرة على مراجعة ذاته؟ وهل تستطيع المؤسسة أن تكون فضاءً للحرية والانضباط معاً؟

ومن هنا جاءت هذه السلسلة في ثلاث حلقات: تبدأ من الإنسان والموقع، ثم تتابع كيف يتحول الجرح إلى تكتل وخصومة، وتنتهي بالسؤال الأصعب: كيف تتحول تجربة الانقسام من جرح في الذاكرة إلى حصانة تحمي المستقبل؟

ولذلك فهذه ليست قراءة تبحث عن مذنب بقدر ما تبحث عن درس، وليست محاولة لإدانة الماضي بقدر ما هي محاولة لفهمه. فالتجارب السياسية لا تصبح عظيمة لأنها خلت من الأخطاء، وإنما لأنها استطاعت أن تتعلم من أخطائها، وأن تحول الألم إلى معرفة، والمعرفة إلى بناء، والبناء إلى مستقبل.

الحلقة الأولى: كيف يبدأ التساقط؟: الإنسان بين الفكرة والموقع

ليس أصعب على التجارب السياسية من أن تواجه خصومها، فالصراع الخارجي غالباً ما يكون واضحاً في أطرافه وأهدافه. لكن الاختبار الأصعب يبدأ من الداخل: حين يختلف الرفيق، ويُجرح الإنسان، ويتغير الموقع، ثم تبدأ العلاقة بين الفرد والمؤسسة في التبدل. ومن هنا تأتي هذه الحلقة، في قراءة لدراسة الأستاذ المناضل محمد ضياء الدين حول (التساقط والانحراف وآثاره على مسيرة ومستقبل البعث)، لا لتعيد محاكمة أسماء أو استحضار خصومات، وإنما لتطرح سؤالاً أكثر عمقاً: كيف يبدأ التساقط قبل أن يصبح سقوطاً؟

هل يبدأ عندما يغادر الإنسان التنظيم؟ أم قبل ذلك، حين يصبح الموقع جزءاً من هويته، وحين يتحول الاختلاف من فكرة إلى جرح، وحين يشعر أن صوته لم يعد مسموعاً أو أن مكانته لم تعد كما كانت؟

فالتنظيم ليس مجرد إطار يجمع الأفراد، وإنما هو صيغة لتحويل الفكرة إلى فعل، والإرادة إلى مشروع، والالتزام الفردي إلى مسؤولية جماعية. والبعث، في معناه الأعمق، ليس مجرد اسم لحركة أو حزب، وإنما هو فعل انبعاث دائم: انبعاث للإنسان من واقعه، وللإرادة من عجزها، وللفكرة من حدودها إلى أفق المستقبل.

إن القضية، بهذا المعنى، ليست قضية خروج من تنظيم فحسب، وإنما قضية علاقة الإنسان بالفكرة، وبالمؤسسة، وبذاته. فالعضوية قد تمنح الإنسان موقعاً، لكن الفكرة تختبر قدرته على أن يبقى أكبر من الموقع. والمؤسسة قد تمنحه مسؤولية، لكن التجربة تكشف هل كان يرى المسؤولية تكليفاً أم امتيازاً. ولهذا تبدأ السلسلة من الإنسان قبل التنظيم، ومن السؤال قبل الحكم، ومن فهم أسباب التحول قبل البحث عن المسؤول.

فكيف ينتقل الإنسان من الالتزام إلى الاختلاف، ومن الاختلاف إلى الجرح، ومن الجرح ـ في بعض الحالات ـ إلى الخصومة؟ ذلك هو السؤال الذي تبدأ به هذه الحلقة.

ولأن المصطلح نفسه يحمل حمولة أخلاقية وتاريخية، فمن الضروري أن نحدد المقصود به منذ البداية. فالتساقط هنا لا يُستخدم بوصفه حكماً على كل من غادر التنظيم، ولا بوصفه وصفاً لكل اختلاف، وإنما بوصفه مساراً تتحول فيه المسافة عن المؤسسة والفكرة، تدريجياً، إلى قطيعة معهما، وقد تنتهي إلى الخصومة أو بناء البديل. وبذلك يصبح التساقط ظاهرة تُدرس في شروط نشأتها وتحولاتها، لا تهمة تُلصق بالأشخاص مسبقاً. هنالك ضرورة لتوضيح بعض المفاهيم وكما يلي:

الاختلاف: تباين في الرأي أو التقدير.

النقد: ممارسة الاختلاف بقصد التصحيح أو المراجعة.

الخروج: إنهاء العلاقة التنظيمية.

التساقط: مسار يتراجع فيه الارتباط بالمبدأ والمؤسسة.

التكتل: انتقال الخلاف إلى جماعة ذات ولاء وموقف مستقلين.

الخصومة: تحول الخلاف إلى مواجهة مع المؤسسة.

ولا يعني هذا أن كل مرحلة تقود حتماً إلى التي بعدها.

وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه: لمن يكون الوفاء، للفكرة أم للمؤسسة؟ ولعل الإجابة الأكثر نضجاً أن الفصل بينهما لا ينبغي أن يكون حاداً، فالوفاء للفكرة لا يبرر هدم المؤسسة، كما أن الوفاء للمؤسسة لا يبرر تعطيل العقل. المؤسسة وسيلة لحماية الفكرة، والفكرة هي التي تمنح المؤسسة معناها. ولذلك فإن النقد الذي يريد إصلاح المؤسسة قد يكون، في جوهره، شكلاً من أشكال الوفاء لها، كما أن الالتزام الذي يتحول إلى طاعة عمياء قد يفقد الفكرة معناها.

من أهم الأفكار التي تنطلق منها الدراسة التمييز بين الحزبي والبعثي. فالعضوية ليست نهاية الطريق، والموقع التنظيمي ليس شهادة نهائية على اكتمال الإنسان البعثي. ولذلك تستعيد الدراسة عبارة القائد المؤسس ميشيل عفلق: (ما زلت أناضل لأكون بعثياً)، باعتبارها مفتاحاً لفهم المسألة كلها. وهنا تبرز قيمة العبارة، لأنها تنقل البعثية من كونها مجرد هوية تنظيمية إلى كونها عملية مستمرة من بناء الإنسان. فأن يكون الإنسان عضواً في الحزب شيء، وأن تتحول مبادئ الحزب إلى جزء من شخصيته الأخلاقية والفكرية شيء آخر. والانتساب قد يبدأ بقرار، أما أن يصبح الإنسان جديراً بما انتسب إليه فهو مشروع عمر كامل.

ولهذا فإن الاختبار الحقيقي للبعثي لا يحدث عندما يكون في موقع قوة، وإنما عندما يفقد الموقع. ولا يظهر الالتزام الحقيقي عندما تتفق المؤسسة مع رأيه، وإنما عندما يصدر قرار لا يوافقه. ولا يظهر معنى الرفاقية في لحظة الانسجام، وإنما عندما يقع الخلاف. فالموقع يكشف قدرة الإنسان على ممارسة المسؤولية، لكن فقدان الموقع يكشف مقدار تحرره من المسؤولية بوصفها امتيازاً. وفي هذه المسافة تحديداً يظهر الفرق بين من يحمل الفكرة، ومن تحمل الفكرة اسمه فقط.

ومن هنا لا يصبح فقدان الموقع مجرد تغير في المسؤولية، بل قد يصبح اختباراً لعلاقة الإنسان بذاته: هل كان الموقع وسيلة لخدمة الفكرة، أم أصبح الفكرة التي يرى الإنسان نفسه من خلالها؟. وربما كان أحد شروط النضج السياسي أن يحتفظ الإنسان بمسافة بين ذاته ودوره، فهو ليس موقعه، ولا صفته التنظيمية، ولا التكليف الذي أُسند إليه. المشكلة ليست في الموقع، وإنما في لحظة يتحول فيها الموقع من وظيفة يؤديها الإنسان إلى هوية يرى نفسه من خلالها.  فإذا تماهت الذات مع الدور، أصبح فقدان الدور فقداناً للذات، وأصبح النقد إهانة شخصية، وأصبح تغيير الموقع كأنه إلغاء للإنسان. أما إذا أدرك أن الدور عابر وأن الفكرة أبقى، أمكنه أن يترك موقعه دون أن يفقد نفسه.

وهنا تضع الدراسة يدها على سؤال بالغ العمق: هل يستطيع الإنسان أن يفصل بين الفكرة وبين موقعه داخلها؟. إذا استطاع، ظل اختلافه اختلافاً. أما إذا أصبح الموقع جزءاً من هويته الشخصية، فقد يتحول فقدان الموقع إلى جرح في الذات، ثم يتحول الجرح إلى موقف، ثم يتحول الموقف إلى خصومة، وربما إلى محاولة لإقامة مركز بديل. وهنا تبدأ ظاهرة التساقط في صورتها الأكثر تعقيداً.

غير أن هذا المسار ليس حتمياً، فالجرح لا ينتج بالضرورة خصومة، كما أن فقدان الموقع لا يقود بالضرورة إلى الانفصال. بين لحظة الألم ولحظة القرار توجد مساحة واسعة من الوعي ومراجعة الذات والحوار والقدرة على إعادة تعريف العلاقة بالمؤسسة. وفي هذه المساحة تحديداً يتحدد اتجاه التجربة: إما أن يتحول الألم إلى نضج، أو يتحول إلى قطيعة.

لكن هذا لا يعني أن كل من اختلف أو غادر هو بالضرورة (متساقط)، وهذه نقطة أساسية ينبغي تثبيتها منذ البداية، لأن الخروج من التنظيم ليس في ذاته دليلاً على الانحراف، كما أن البقاء داخله ليس وحده دليلاً على سلامة الموقف أو اكتمال الالتزام.

والتساقط، في هذه القراءة، ليس مرادفاً للخروج، ولا للاختلاف، ولا حتى للنقد، وإنما هو مسار تتراجع فيه علاقة الإنسان بالمبدأ والمؤسسة، وقد ينتهي، في بعض الحالات، إلى تحويل الخلاف إلى خصومة والتكتل إلى مشروع بديل. من هنا تأتي إحدى أهم القضايا التي تثيرها الدراسة: التمييز بين الاختلاف والانحراف. فالاختلاف ليس مرضاً في الحياة الحزبية، بل يمكن أن يكون مصدراً من مصادر التطوير. والنقد ليس خروجاً على التنظيم، بل يمكن أن يكون وسيلة لحمايته. والمشكلة لا تبدأ عندما يقول العضو: (أنا مختلف)، وإنما عندما يفقد القدرة على تحويل اختلافه إلى ممارسة مؤسسية.

والفارق هنا ليس في وجود الاختلاف، وإنما في مساره. فالاختلاف يظل اختلافاً ما دام يبحث عن حواره داخل المؤسسة، وقد يتحول إلى أزمة حين يفقد الثقة بقدرة المؤسسة على استيعابه، أما حين ينتقل من نقد القرار إلى نزع الشرعية عن المؤسسة، ومن الحوار إلى بناء ولاء موازٍ، تبدأ مرحلة مختلفة من الظاهرة. لذلك لا ينبغي أن نضع الاختلاف والتكتل والخصومة في مستوى واحد، فهي حلقات محتملة في مسار واحد، وليست نتائج حتمية لبعضها البعض.

لكن المؤسسية لا تعني إسكات الاختلاف، كما أن الحرية لا تعني تحويل الاختلاف إلى مؤسسة بديلة. فالمسألة ليست أن يملك العضو حق الاعتراض فحسب، وإنما أن يملك التنظيم أيضاً القدرة على استقبال الاعتراض، ومناقشته، والرد عليه، وتحويله إلى معرفة أو قرار. هنا فقط يصبح النقد قوة داخل المؤسسة، لا ذريعة للخروج منها.

ولا يعني ذلك أن القيادة فوق النقد، أو أن وصف خطأ القيادة أو الاعتراض على مسارها يُعد في ذاته خروجاً على المؤسسة، فالمعيار ليس الجهة التي يصدر عنها النقد، وإنما الطريقة التي يُمارس بها، والمسار الذي يتخذه، وهل يبقى داخل أدوات الحوار والمراجعة، أم يتحول إلى ادعاء احتكار الشرعية وإلغاء حق الآخرين في تمثيل الفكرة.

إن دراسة الظاهرة تقتضي ألا نبحث فقط عن لحظة الانفصال، بل عن جذورها. فقبل التكتل توجد عادةً حالة من التباعد، وقبل التباعد توجد شكوى، وقبل الشكوى ربما يكون شعور بعدم التقدير أو عدم الاستماع أو سوء الفهم. وليس معنى ذلك أن كل شكوى ستتحول إلى تكتل، وإنما أن تجاهل الأزمات الصغيرة قد يسمح لها بالنمو خارج المجال المؤسسي.

وفي كثير من الأحيان لا يكون الجرح ناتجاً عن القرار وحده، وإنما عن الطريقة التي وصل بها القرار إلى الإنسان. فقد يستطيع العضو أن يتقبل فقدان موقعه، لكنه قد يجد صعوبة أكبر في تقبل الإهانة، أو التجاهل، أو الشعور بأن تاريخه لم يعد ذا قيمة. ولهذا فإن الكرامة التنظيمية ليست تفصيلاً نفسياً هامشياً، إنها جزء من العلاقة بين الإنسان والمؤسسة، وقد يكون المساس بها أحد المداخل التي تجعل الخلاف أكثر قابلية للتحول إلى خصومة.

ولهذا فإن من أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من الدراسة أن الوقاية من التساقط تبدأ قبل وقوعه. تبدأ من التربية، ومن وضوح العلاقة بين العضو والمؤسسة، ومن وجود مساحات حقيقية للنقد والمراجعة، ومن قدرة القيادة على اكتشاف التوتر قبل أن يتحول إلى انقسام.

فالمؤسسة التي لا تسمع الشكوى الصغيرة قد تضطر لاحقاً إلى مواجهة أزمة كبيرة. والقيادة التي لا تفسر القرار قد تترك فراغاً تملؤه التأويلات. والتنظيم الذي لا يتيح للعضو أن يختلف داخل المؤسسة قد يدفع، من حيث لا يريد، بعض الاختلاف إلى البحث عن فضاء خارجها.

ومن هنا لا يصبح السؤال: كيف نعاقب من انحرف؟ فقط، وإنما يصبح السؤال الأكثر أهمية: كيف نمنع الظروف التي تجعل الانحراف ممكناً؟ وهذه النقلة هي التي تجعل دراسة التساقط أكثر من دراسة في تاريخ الخلافات، إنها دراسة في بناء الإنسان، وفي قدرة المؤسسة على استيعاب الاختلاف، وفي العلاقة بين الحرية والانضباط، وبين المسؤولية والموقع.

وفي النهاية، ربما يكون الدرس الأول الذي تتركه هذه القراءة أن التساقط لا يبدأ يوم يعلن الإنسان خروجه، وإنما قد يبدأ قبل ذلك بكثير، في المسافة التي تتسع بين الإنسان والفكرة، وبين الذات والدور، وبين العضو والمؤسسة.

وقد يبدأ بخلاف مشروع، أو بقرار لم يُفهم، أو بموقع فُقد، أو بشعور لم يجد من يصغي إليه. لكن هذه الأسباب، مهما كانت قاسية، لا تصنع النتيجة وحدها، فالإنسان يظل مسؤولاً عن الطريقة التي يدير بها ألمه، والمؤسسة تظل مسؤولة عن الطريقة التي تستمع بها إلى أعضائها وتتعامل مع اختلافهم. ولهذا لا ينبغي أن يكون السؤال: لماذا يتحول بعض الخارجين من التنظيم إلى خصوم له؟ قبل أن نسأل: كيف بدأ السقوط؟. ولا ينبغي أن يكون الهدف من دراسة الانقسام إعادة إنتاجه في الذاكرة، وإنما اكتشاف اللحظة التي كان يمكن فيها أن يتوقف قبل أن يتحول إلى قطيعة.

فالفكرة تختبر الإنسان عندما يمنحه الموقع، لكنها تختبره أكثر عندما تسلبه الموقع. والمؤسسة تختبر قوتها عندما يكون الجميع متفقين، لكنها تكشف نضجها الحقيقي عندما يختلف أحد أعضائها.

وربما كان أعظم أشكال الالتزام أن يستطيع الإنسان أن يقول: أختلف، دون أن يقول: أهدم، وأن يخسر موقعه دون أن يخسر مبدئه، وأن يتألم دون أن يجعل ألمه عقيدة، وأن يخرج ـ إن اختار الخروج ـ دون أن يجعل من رفاق الأمس خصوماً بالضرورة. لكن ماذا يحدث عندما لا يجد الجرح طريقاً إلى الحوار؟ وكيف تتحول الحاجة إلى الاعتراف إلى تكتل؟ ومتى يصبح التكتل جماعة تنتج لنفسها روايتها وشرعيتها؟ من هنا تبدأ الحلقة الثانية: حين يتحول الجرح إلى خصومة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.