طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
الأستاذ لا ينبغي أن يتحول إلى أستاذ تابع لمنطقة نفوذ، والطالب لا ينبغي أن يصبح رهينة للسلطة القائمة في موقعه الجغرافي، والشهادة الجامعية لا ينبغي أن تتحول إلى انعكاس للانقسام السياسي والعسكري. إذا انقسم التعليم العالي، فقد يبدأ الانقسام السياسي في إنتاج انقسام معرفي ومؤسسي، وهذا من أخطر نتائج الح.رب على المدى البعيد.
ولا تكتفي الرؤية التي يقدمها بيان حزب البعث العربي الاشتراكي، في2026/8/29م ، حول استهداف التعليم العالي، بالتشخيص، وإنما تطرح مدخلاً للحل يقوم على أربعة مبادئ مترابطة: حماية حق الطالب في استمرار التعليم، حماية الأستاذ من الإكراه الاقتصادي، حماية المؤسسة الجامعية من التسييس والانقسام، وإعادة الاعتبار إلى القرار الأكاديمي داخل الجامعة. وهذه المبادئ، إذا أعيدت صياغتها في إطار وطني أوسع، يمكن أن تتحول من موقف حزبي تجاه قرار محدد إلى مبادئ عامة لإدارة التعليم العالي السوداني خلال الح.رب وبعدها.ولهذا فإن تعدد القرارات والمرجعيات بشأن الجامعات الواقعة تحت سيطرة أطراف مختلفة لا يمثل مجرد اختلاف إداري، بل ينذر بتحويل التعليم العالي إلى انعكاس مؤسسي لانقسام الدولة. وعندما يصبح للجامعة أكثر من مرجعية، وللشهادة أكثر من سلطة، وللأستاذ أكثر من جهة تحدد مستقبله، فإن الخطر يتجاوز توقف الدراسة إلى تهديد وحدة النظام الأكاديمي الوطني ذاته.
فلا يمكن بناء المستقبل بعقلية الحرب، ربما تكون هذه هي الخلاصة الفلسفية الأهم في البيان. الح.رب تنظر إلى الأشياء بمنطق السيطرة، أما الجامعة فتنظر إليها بمنطق المستقبل. الح.رب تسأل: من يسيطر على المكان؟ والجامعة تسأل: ماذا سيعرف الإنسان غداً؟ فالح.رب تقيس القوة بعدد المناطق التي تسيطر عليها، أما الدولة الحديثة فتقيس قوتها بقدرتها على إنتاج المعرفة والعلم والإنسان المؤهل. ومن هنا فإن استهداف التعليم العالي ليس استهدافاً لقطاع خدمي، بل استهداف للزمن القادم. فالجامعة هي المكان الذي يتشكل فيه الطبيب الذي سيعالج مرضى الغد، والمهندس الذي سيعيد بناء المدن، والأستاذ الذي سيعلم الجيل الذي لم يولد بعد.
ومن أكثر ما يستحق التوقف عنده في البيان دعوته إلى ترك تقدير صيغة استئناف العملية التعليمية لكل جامعة عبر مجالس أساتذتها. فهذه الدعوة، في جوهرها، تعيد الاعتبار إلى مفهوم الاستقلالية الأكاديمية والحوكمة المؤسسية. الجامعة ليست فرعاً تنفيذياً لوزارة، ولا يمكن إدارة جميع الجامعات في بلد يعيش حرباً واسعة بالقرار نفسه، لأن ظروف الجامعات وطلابها وأساتذتها وبنيتها التحتية تختلف من مكان إلى آخر. ولذلك فإن منح المجالس الأكاديمية مساحة حقيقية لتقييم المخاطر واختيار النموذج التعليمي المناسب قد يكون أكثر عقلانية من فرض نموذج مركزي واحد على مؤسسات تعيش ظروفاً متباينة.
ثامناً: إطار وطني لإدارة التعليم العالي أثناء الح.رب وما بعدها: إذا كان بيان حزب البعث يلفت الانتباه إلى خطورة القرارات الفوقية وتعدد المرجعيات التي تهدد التعليم العالي، فإن تجاوز الأزمة لا ينبغي أن يتوقف عند رفض هذه القرارات، بل يستدعي التفكير في إطار وطني لإدارة التعليم العالي في زمن الح.رب، يحمي المؤسسة الأكاديمية من آثار الصراع ويحافظ على وحدتها واستمراريتها واستقلالها. ويمكن أن يقوم هذا الإطار على مجموعة من المبادئ الأساسية:
1. مرونة مؤسسية مسؤولة: منح كل جامعة، عبر مجالسها الأكاديمية ومؤسساتها المختصة، القدرة على اختيار نموذج التعليم الأنسب وفق مستوى المخاطر الأمنية، وطبيعة التخصص، وجاهزية البنية التحتية، مع الالتزام بالمعايير الوطنية للجودة والاعتماد.
2. حماية الأستاذ الجامعي: توفير حماية قانونية ومهنية واجتماعية للأساتذة والعاملين في التعليم العالي، وعدم استخدام الراتب أو التعاقد أو التعيين وسيلة للإكراه أو العقاب، مع اعتماد نظم عمل مرنة تراعي ظروف النزوح والحرب.
3. ضمان حق الطالب في التعليم: التعامل مع استمرار تعليم الطلاب باعتباره حقاً وطنياً لا امتيازاً إدارياً، وتوفير البدائل الممكنة للطلاب النازحين داخل السودان وخارجه، بما في ذلك المراكز البديلة والتعليم الإلكتروني والهجين، إلى حين تهيؤ الظروف للعودة الآمنة.
4. حماية وحدة المرجعية الأكاديمية الوطنية: عدم السماح لتحول الانقسام السياسي والعسكري إلى انقسام مؤسسي داخل التعليم العالي، والحفاظ على وحدة الشهادة والمعايير الأكاديمية والسجل الجامعي، بحيث تظل الجامعة السودانية مؤسسة وطنية لا تتغير مرجعيتها بتغير مناطق السيطرة.
5. صون استقلال الجامعات ومجالسها الأكاديمية: تعزيز دور مجالس الجامعات ومجالس الأساتذة والكليات في اتخاذ القرارات المتعلقة باستمرار العملية التعليمية، بدلاً من إخضاع جميع الجامعات لقرارات مركزية واحدة لا تراعي اختلاف ظروفها.
6. إنشاء سجل وطني لرأس المال البشري الأكاديمي السوداني: حصر وتوثيق الكفاءات الأكاديمية والبحثية داخل السودان وخارجه، وبناء قاعدة بيانات وطنية تساعد على الحفاظ على الصلات بالمهاجرين والنازحين من الأساتذة والباحثين والاستفادة منهم في التعليم والبحث وإعادة الإعمار.
7. اعتبار التعليم العالي قطاعاً استراتيجياً للأمن الوطني وإعادة بناء الدولة: فالأمن الوطني لا يُقاس فقط بامتلاك السلاح وحماية الحدود، وإنما أيضاً بقدرة الدولة على حماية المعرفة والعقول وإنتاج الكفاءات التي ستقود عملية التعافي وإعادة الإعمار.
8. البدء منذ الآن في إعداد خطة وطنية لإعادة توحيد التعليم العالي بعد الح.رب: بحيث لا تقتصر إعادة الإعمار على المباني والمنشآت، وإنما تشمل توحيد المرجعيات الأكاديمية، واستعادة السجلات والبيانات، ومعالجة أوضاع الأساتذة والطلاب، وإعادة بناء المختبرات والمكتبات، وضمان الاعتراف الموحد بالمؤهلات والشهادات، واستعادة الدور الوطني للجامعات باعتبارها مؤسسات جامعة للسودانيين لا انعكاساً لانقسامهم السياسي والجغرافي.
المطلوب ليس فقط إنقاذ الجامعة من الح.رب، وإنما منع الح.رب من إعادة تشكيل الجامعة على صورتها. فإذا كان الصراع قد قسم الجغرافيا السياسية، فلا ينبغي أن يسمح له بتقسيم المعرفة، وإذا تعددت سلطات الأمر الواقع، فلا ينبغي أن تتعدد تبعاً لها مرجعيات التعليم العالي. فإعادة توحيد الجامعات بعد الح.رب ستكون جزءاً من إعادة توحيد الدولة نفسها، وربما يكون التعليم العالي أحد أهم الجسور التي يمكن أن تعبر عليها البلاد من واقع الانقسام إلى استعادة الدولة والمجتمع. وهذه ليست بالضرورة وصفة جاهزة، وإنما إطار أولي قابل للنقاش والتطوير بين مؤسسات الدولة والجامعات والقوى الأكاديمية والمجتمعية.
بالتالي فإن الخطر الأكبر الذي ينبغي التحسب له ليس فقط ضياع عام دراسي أو تعطل جامعة، وإنما نشوء نظامين أو أكثر للتعليم العالي داخل الدولة الواحدة، لكل منها مرجعيته وقراراته وسجلاته وشهاداته ومعاييره. وعندها لا يعود الانقسام مجرد واقع سياسي مؤقت، بل يتحول إلى بنية مؤسسية يصعب تفكيكها لاحقاً. ولذلك فإن حماية وحدة النظام الأكاديمي السوداني اليوم هي، في أحد وجوهها، استثمار مبكر في وحدة الدولة غداً.
في النهاية، لا تكمن معركة التعليم العالي السوداني في السؤال عن مكان انعقاد المحاضرة فقط، ولا في المفاضلة بين الحضور والتعليم عن بُعد، ولا في العودة إلى المبنى أو البقاء خارجه. المعركة الحقيقية هي ، هل يستطيع السودان أن يحافظ على رأس ماله البشري والمعرفي وسط انهيار الدولة والحرب؟
فالجامعة التي تُغلق أبوابها يمكن أن تفتح من جديد، والمبنى الذي تهدمه الح.رب يمكن أن يُعاد تشييده، والمختبر الذي فقد يمكن أن يُستعاد. لكن الأستاذ الذي يهاجر، والباحث الذي يتوقف عن البحث، والطالب الذي يفقد سنوات من عمره، والمعرفة التي تنقطع سلسلتها، كلها خسائر لا تعالجها إعادة الإعمار وحدها.
ومن هنا فإن حماية التعليم العالي ليست ترفاً مؤجلاً إلى ما بعد انتهاء الح.رب، بل إنها جزء من معركة إنقاذ السودان نفسه. وإذا كانت الح.رب تهدم ما هو قائم، فإن التعليم يحفظ ما يمكن أن يُبنى عليه المستقبل. ولذلك فإن الجامعة ليست فقط مؤسسة ينبغي حمايتها من الح.رب، إنها واحدة من المؤسسات التي يمكن أن تساعد السودان على الخروج من الح.رب.
فالسودان الذي يريد أن يعيد بناء دولته بعد الح.رب لا يستطيع أن يدخل مرحلة إعادة الإعمار بعقلٍ أكاديمي ممزق، ولا بمؤسسات جامعية متعددة المرجعيات، ولا برأس مال بشري استنزفته الهجرة والنزوح والإكراه. فقد تنتهي الح.رب يوماً بصمت البنادق، لكن السلام الحقيقي لن يكتمل إلا عندما يعود الأستاذ إلى قاعته، والطالب إلى جامعته، والباحث إلى مختبره، وتعود المعرفة إلى موقعها الطبيعي، قوةً لبناء الدولة، وجسراً لإعادة وصل المجتمع، وذاكرةً وطنية لا تسمح للحرب بأن تعيد تشكيل مستقبل السودان.
فالتعليم ليس مجرد حقٍّ يحميه الوطن، بل هو (مدخل النهوض وبدايته الحقيقية)، فمنه تُبنى العقول، وتُستعاد القدرة على تجاوز آثار الح.رب، وتتهيأ شروط بناء دولة المعرفة والإنتاج والعدالة. وفي نهاية المطاف، لا يصنع المستقبلَ المبنى ولا المؤسسة وحدهما، وإنما الإنسان الذي تصنعه المعرفة، فالإنسان الواعي، المتعلم، القادر على التفكير والإبداع، هو الذي يحوّل ما ننشده من وطنٍ أفضل من فكرةٍ مؤجلة إلى واقعٍ ممكن ومتحقق.

Leave a Reply