.الخدمة المدنية في مذبح المفارقات وانهيار الدّولة.
بينما تتوالى الأزمات المعيشية الطّاحنة وتتصاعد وتتكسّر أحلام ملايين السُّودانيين على صخرة الفقر والعوز، هناك إصرار على استمرار الحرب! وتتوارى سُلطات الأمر الواقع، خلف أعذار العجز وشُحّ الموارد، للتملص من دفع استحقاقات العاملين في الخدمة المدنية، ووضع حد لتآكل القيمة الشرائية للجنيه. وتتكشّف تباعاً حقائق صادمة حول حجم البذخ والامتيازات الفلكية التي تتمتّع بها قمّة الهرم الإداري والمالي في الخدمة المدنية والعسكرية.
إنّ ما تشهده بلادنا اليوم ليس مجرّد خلل عابر في إدارة الموارد وتخصيصها بل هو تجسيد لسياسة ممنهجة لتكريس وتعميق الفوارق الطّبقية والاجتماعية، وحصر معالجة تشوهات الأجور على حلول ترقيعية وهمية، تسقط فور ملامستها الواقع الفعلي للحياة نتيجة غلاء المعيشة والتّضخم المتصاعد.وتتبرعم الأزمة في الفجوة الهائلة بين الحد الأدنى للأجور الذي يتقاضاه غِمار العاملين والموظفين والمعلمين والمهنيين، وبين مستويات المخصّصات والرّواتب الخيالية التي تُصرف لكبار مسؤولي مؤسسات الدّولة، من رؤساء ومدراء وأعضاء مجالس إدارات البنوك والشّركات الحكومية، والجيش الجرّار من الوزراء ووزراء الدّولة و الولاة وحكومات الولايات، وتعويضات إعادة التّمكين… الخ.
ولعل ما تكشّف مؤخراً من أرقام تفوق الخيال بشأن مخصصات محافظ بنك السُّودان المركزي – حيث بلغ الراتب الشّهري 44 مليون جنيه سُوداني، إلى جانب حزمة من البدلات السّنوية الفلكية التي تصل إلى عشرات الأشهر راتباً للبدلات والحوافز والعلاج والملابس، فضلاً عن تكاليف السكن الوقود اليومي التي تبلغ ملايين الجنيهات، وقد سبقها كشف مخصصات وبدلات أعضاء مجالس إدارات عدد من البنوك، و شركات الاتصالات، كل ذلك ما هو إلا قمة رأس جبل الجليد، من الفساد والاستنزاف المنظم للمال العام. وتنمية طبقة من نخب الرأسمالية الطُّفيلية.
إنّ هذه المفارقات الفاضحة تدعو إلى الإفصاح الفوري و الشامل، عن مخصصات وإمتيازات مجلس السّيادة، والوزراء، والمدراء العامين، وأعضاء مجالس إدارات البنوك والشّركات العامة وشركات المساهمة، فهي تكشف كيف خُطِف جهاز الدولة البيروقراطي، لخدمة مصالح فئات محدودة من الرأسمالية الطُّفيلية والنُّخب المسيطرة، مدنية وعسكرية!
كما أن الحرب المدمرة المُستمرة، قد عمّقت هذه الفوارق بصورة غير مسبوقة، فبينما يُطلب من الشّعب تحمُّل فاتورة الصّراع وإفرازاته، من خلال التّوسع في طباعة النّقود علي المكشوف، وزيادة أعداد مسميات الجبايات، والرّسوم والزيادات المضطّردة في الضّرائب المباشرة وغير المباشرة، والتّوسع في الخصخصة علي نطاق واسع، مقابل التّراجع المتواصل في خدمات التّعليم والصِحة والعلاج، نتيجة إيلاء أولوية الصّرف والتّمويل للحرب وأطرافها والمستفيدين من تُجارها وسماسرتها، وعلى العاملين في المؤسسات الايرادية، بتحيّز ظاهر و مفضوح، على حساب حرمان القطاعات الحيوية التي تُلبى احتياجات المواطنين كالتّعليم، والصِحّة، والبيطرة والزّراعة والخدمات الأساسية، والبنية التحتية.
إنها فوضى مدروسة في الصّرف والتّخصيص العشوائي للموارد؛ لتمويل سارقي قوت الشّعب وتجار السلاح والولاءات وسماسرة الخدمات السياسية، مقابل تجويع الأطباء والمعلمين وصُناع الحياة والإنتاج وإغلاق أبواب التّعيين والاستخدام الوظيفي للخريجين والباحثين عن العمل، عبر المنافسة ولجان الإختيار. هذا النهج يوضّح دلالات خطيرة ويُؤكد أن السُّلطات الحاكمة رتّبت أولوياتها لتغذية استمرار الحرب وحماية كراسيها ورعاية مصالحها ومكاسبها، على حساب إبقاء المواطن، محاصراً بأجواء الحرب ونفسيتها ومعاناتها، وبالكاد أن يبقى على قيد الحياة!.
وفي ظل هذه الفوضى المدروسة انهارت الموازنة العامة ومنظومة الرقابة المالية، وغُيّبت الصلاحيات، والدورة المستندية المحاسبية، وطفحت الظّواهر الفاسدة برأسها من جديد عبر عودة ظاهرة “التّجنيب” للموارد خارج الخزانة العامة، وغياب الحوكمة و الشّفافية في التّحصيل المالي، و تحوّلت مؤسسات الدولة إلى مقاطعات مالية يُمارس فيها القائمون عليها الصّرف المزدوج دون رقيب أو حسيب، ممّا عطّل فرص بناء أي احتياطيات من النّقد الأجنبي والذّهب ، وتُركت العملة الوطنية في حالة سقوط حر مستمر، ممّا ألحق ضرر بليغ وشامل بالخدمة المدنية ونُظمها وتقاليدها.
إن الخروج من مأزق الانهيار الشامل والظُلم الاجتماعي يتطلّب اتّخاذ خطوات عملية وشجاعة، تتلخّص في الآتي:
1. إيقاف الحرب فوراً وكأولوية وطنية: و حشد وتوجيه كافة الموارد الاقتصادية والمعدات نحو الإعمار والخدمات الأساسية والتّنمية المتوازنة، عوضاً عن توجيهها لتوفير الوقود والسّلاح للمحرقة والمنتفعين منها.
2. الإصلاح الهيكلي الجذري للأجور:
تحسين الحد الأدني للأجور، ووضع حد للحد الأعلى للأجور والمخصصات، مُعلن لكافة مخصصات ومرتبات شاغلي المناصب الدستورية والوظائف العليا ومجالس الإدارات والمدراء العامين، وربط الحد الأدنى للأجور بتكلفة المعيشة الفعلية، والتّوسع في دعم السّلع والخدمات، للحفاظ على كرامة العاملين ورفع مناسيب الأداء والإنتاج وخدمات التّنمية المتوازنة.
3- تجميع كامل الموارد وإلغاء التّجنيب، وفرض سيادة وزارة المالية والبنك المركزي على كافة الأموال والموارد العامة، وحظر تجنيب الإيرادات في مؤسسات الدولة والشّركات الحكومية والسيادية.و توجيه الإنفاق الحكومي نحو التّعليم، والصحة، والخدمات والتّدريب والتّأهيل، ودعم الإنتاج الزّراعي والصّناعي لإضافة سلاسل القيمة المضافة.
4- ضرورة إرساء قواعد الشفافية الشاملة ونشر تفاصيل مخصصات شاغلي الوظائف الدستورية وحماية المال العام من التّبديد والشُّبهات.
إنّ من يرفعون شعارات “الكرامة والتأسيس” ويذايدون بها، مطالبون اليوم بالبرهنة على شعاراتهم عبر التّوجه لمائدة التّفاوض، ووضع حد لحربهم العبثية، وتجسيد القدوة، بخفض المفارقات الصّارخة، في الأجور والمخصّصات، كمقدمة لبناء جهاز دولة رشيد وحديث وكفء، في سلطة مدنية ديمقراطية، لخدمة جميع المواطنين دون محاباة أو محسوبية.
5- بناء جيش وطني مهني حديث بعقيدة وطنية، يُدافع عن وحدة السُّودان وشعبه وسيادته ويصّون حدوده وأجواءه.
حزب البعث العربي الأشتراكي الأصل
كلمة الهدف
31/8/2026

Leave a Reply