طارق عبد اللطيف ابوعكرمة
ليس البيان الذي أصدره حزب البعث العربي الاشتراكي في 2026/8/29م، حول استهداف التعليم العالي مجرد موقف سياسي من قرارات إدارية؛ بل هو وثيقة في فلسفة الدولة والمجتمع والحـ.ـرب، وفي معنى الجامعة بوصفها آخر مؤسسات المستقبل التي ينبغي ألا تطالها يد الصـ.ـراع.
فالبيان ينقل قضية التعليم العالي من مستوى القرار الإداري إلى مستوى أعمق (من يملك حق تقرير مصير الجامعة في زمن الحـ.ـرب؟ وهل يمكن إدارة التعليم بمنطق السيطرة العسكرية، بينما شروط الأمن والاستقرار التي يقوم عليها التعليم غائبة؟).
وهنا تكمن الفكرة المركزية، في إن الجامعة ليست مبنى، والتعليم ليس حضوراً جسدياً، والأستاذ ليس موظفاً يمكن ضبطه بالتوقيع، والطالب ليس رقماً يمكن نقله بقرار فوقي.
ولعل أول ما ينبغي توضيحه في قراءة هذا البيان أن القضية التي يطرحها لا تختزل في القول إن الحـ.ـرب استهدفت التعليم العالي أو دمـ.ـرت الجامعات. فالبيان، عند تفكيك مضمونه، يضع أمامنا ثلاث طبقات متداخلة من الأزمة؛ الطبقة الأولى هي أثر الحـ.ـرب المباشر، فقد أدت العمليات العسكرية وما صاحبها من دمـ.ـار وانعدام للأمن إلى خروج الجامعات من مقارها ونزوح الأساتذة والطلاب والعاملين بها. والطبقة الثانية تتصل بالقرارات التي أصدرتها سلطة الانقلاب والحـ.ـرب بشأن العودة الإجبارية إلى المقار الأصلية، وما رافقها من إغلاق للمراكز الخارجية وربط بعض المستحقات المالية بالحضور. أما الطبقة الثالثة، وهي الأكثر خطورة من منظور الدولة والحوكمة المؤسسية، فتتمثل في القرارات التي أصدرتها سلطة (تأسيس)، بشأن الجامعات الواقعة تحت سيطرتها.
وهنا تنتقل القضية من سؤال التعليم في زمن الحـ.ـرب إلى سؤال أكثر عمقاً، وهو كيف تُدار الجامعة عندما تصبح الدولة نفسها منقسمة، وتخضع مؤسساتها لسلطات أمر واقع متنافسة؟ فالمشكلة لم تعد فقط في أن الحـ.ـرب هدمت المبنى الجامعي، وإنما في أن الانقسام السياسي والعسكري يمكن أن ينتقل إلى داخل المؤسسة الأكاديمية ذاتها، فينشأ أكثر من مركز للقرار، وأكثر من مرجعية إدارية، وربما أكثر من تصور لمستقبل الجامعة. وعند هذه النقطة يصبح الخطر أبعد من تعطيل الدراسة أو نقلها من مكان إلى آخر، إذ يتعلق بوحدة النظام الأكاديمي الوطني، واستقلال القرار الجامعي، ومستقبل الشهادة السودانية، ومكانة الجامعة باعتبارها مؤسسة وطنية تتجاوز خطوط السيطرة العسكرية والجغرافية.
ومن هذه الزاوية، فإن جوهر البيان لا يتمثل فقط في الدفاع عن حق الطلاب في مواصلة الدراسة، أو الاعتراض على قرار إداري بعينه؛ وإنما في التحذير من أن تتحول الحـ.ـرب من صـ.ـراع على الأرض إلى انقسام في مؤسسات الدولة، وأن تصبح الجامعة إحدى ساحات تكريس هذا الانقسام. فالجامعة التي تتعدد مراجعها بتعدد السلطات القائمة على الأرض، قد تفقد تدريجياً وحدتها المؤسسية، وحينها يصبح ترميم المباني بعد انتهاء الحـ.ـرب أسهل بكثير من إعادة بناء مؤسسة أكاديمية موحدة فقدت مرجعيتها وذاكرتها وثقة مجتمعها.
أولاً: الجامعة في زمن الحـ.ـرب ليست حجراً، بل ذاكرة وعقل ومستقبل: يرفض البيان النظر إلى نزوح الجامعات من مقارها باعتباره خللاً إدارياً يمكن معالجته بقرار يعيدها إلى مبانيها. فهو ينطلق من حقيقة أن خروج الجامعات كان نتيجة مباشرة للحرب وتدمير البنية التحتية وتحول المؤسسات المدنية إلى فضاءات للعمليات العسكرية.
وهنا تظهر قضية فلسفية جوهرية في إن الجامعة ليست القاعات والجدران والمكاتب. المبنى وعاء، أما الجامعة الحقيقية فهي الأستاذ والطالب والمعرفة والبحث والمختبر والمكتبة. ولذلك فإن نقل العملية التعليمية مؤقتاً إلى مراكز خارج المقار الأصلية لا يعني موت الجامعة، بل قد يكون، في ظروف الحرب، وسيلة لإنقاذها.
وقد خلفت الحرب أضراراً واسعة في مؤسسات التعليم العالي، وأدت إلى نزوح أعداد كبيرة من الطلاب والأساتذة والعاملين، بينما لا تزال الحاجة قائمة إلى مسح وطني شامل ودقيق يرصد حجم الخسائر البشرية والمؤسسية التي لحقت بالتعليم العالي.
ثانياً: التعليم العالي ليس قطاعاً خدمياً عادياً: يضع البيان قضية الأساتذة والطلاب في سياق أوسع، حين يتحدث عن (اقتلاع العقول)، ونزوح الكفاءات. وهنا يبرز مفهوم (رأس المال البشري)، الذي لا يمكن تعويضه بسهولة.
فالدولة تستطيع إعادة بناء قاعة محاضرات، وترميم مكتبة، وإعادة إنشاء مختبر، وربما تشييد جامعة جديدة. لكنها لا تستطيع أن تعيد إنتاج الأستاذ الجامعي ذي الخبرة خلال أشهر. فقد يستغرق بناء عالم أو أستاذ متخصص عقوداً من التعليم والتدريب والبحث والخبرة. ومن ثم فإن فقدان الأستاذ لا يعني فقدان وظيفة شاغرة، بل يعني فقدان معرفة تراكمية، وشبكة علاقات علمية، وخبرة تعليمية وبحثية، وقدرة على تدريب جيل جديد. فالحرب لا تهدم المباني فقط؛ أحياناً تهدم القدرة على إعادة بناء المباني بعد الحرب.
ثالثاً: الأستاذ الجامعي من موظف إلى حارس للمعرفة: من أكثر الجوانب إنسانية في البيان حديثه عن صمود الأساتذة رغم الظروف الاقتصادية القاسية، وبحسب البيان، أشار إلى أن الراتب تراجع إلى نحو 600 ألف جنيه، وقدّره وقت صدوره بما يعادل قرابة 100 دولار. فالبيان لا يقدم الأستاذ باعتباره موظفاً ينتظر راتبه، بل باعتباره شخصاً أدى وظيفة وطنية في ظروف استثنائية، وحاول مواصلة العملية التعليمية رغم النزوح وانهيار القيمة الشرائية للدخل.
والأخطر هنا، بحسب ما أورده البيان، أن العلاقة بين المؤسسة والأستاذ قد تنزلق من علاقة مهنية تقوم على الثقة والمسؤولية إلى علاقة قسرية تقوم على الخوف من فقدان الدخل. قد تم ربط الراتب بالتوقيع الحضوري في بيئة حـ.ـرب لا يحل مشكلة الأداء، بل يحول الأجر من حق مقابل العمل إلى أداة ضغط لإجبار العامل على الامتثال لقرار إداري. وبالتالي فإن المؤسسات لا تحافظ على كفاءاتها بالإكراه، وإنما ببناء الثقة، وتوفير شروط العمل الآمنة، وتصميم نظم أداء عادلة ومرنة تستوعب الظروف الاستثنائية. وعندما يصبح الأستاذ مضطراً للاختيار بين سلامته وراتبه، فإن المؤسسة لا تكون قد أدارت مواردها البشرية، بل تكون قد دفعت جزءاً من رأس مالها البشري إلى خارجها.
وهنا ينبغي التوقف عند مفهوم الكرامة المهنية، فالجامعة لا تستطيع أن تطلب من أستاذها أن يحمل رسالة التعليم والوطن، ثم تتعامل معه باعتباره مجرد رقم في كشف الرواتب. فالدفاع عن الأستاذ يعني الاعتراف بأن الحفاظ على كرامته واستقراره شرط من شروط الحفاظ على المؤسسة نفسها.
رابعاً: هل يمكن صناعة الأمن بقرار إداري؟: يصل البيان إلى واحدة من أهم قضاياه، وهي رفض العودة الإجبارية إلى المقار الجامعية في ظل استمرار الحـ.ـرب. وهذا الموقف يمكن قراءته من منظور علم إدارة المخاطر. فالقرار الإداري السليم لا يقوم على الرغبة وحدها، وإنما على تقييم البيئة التي سيطبق فيها القرار. إذا كانت أسباب إخلاء الجامعات لا تزال قائمة، فإن إلغاء الإخلاء بقرار إداري لا يعني إلغاء تلك الأسباب. فالخطر لا يختفي لأن القرار الإداري قال إنه اختفى. ولهذا فإن استئناف الدراسة الحضورية في بيئة غير آمنة ينبغي أن يسبقه تقييم موضوعي لمستوى الأمن، وسلامة الطرق، وصلاحية المباني، وتوفر الخدمات، وجاهزية المعامل، وقدرة الطلاب على الوصول، ووجود خطط للطوارئ.
خامساً: إغلاق المراكز الخارجية بين منطق السيطرة ومنطق استمرار التعليم: ينظر البيان إلى إغلاق المراكز الخارجية باعتباره تهديداً لمستقبل آلاف الطلاب. فإذا كان الطالب قد نزح من مدينته بسبب الحـ.ـرب، ثم تمكنت الجامعة من توفير مركز بديل له، فإن إغلاق المركز وإجباره على العودة إلى منطقة غير آمنة قد يؤدي عملياً إلى إخراجه من التعليم. وهنا تظهر مفارقة مؤلمة، قرار يُتخذ باسم إعادة الجامعة إلى مقرها قد يؤدي إلى إبعاد الطالب عن الجامعة نهائياً. والطالب الذي ينقطع عن الدراسة سنة أو سنتين قد لا يعود إليها، وقد يدخل سوق العمل مبكراً، أو يهاجر، أو يفقد قدرته الاقتصادية على العودة.
سادساً: التعليم أثناء الحـ.ـرب يحتاج إلى المرونة لا إلى الجمود: من منظور إدارة الأزمات، لا توجد صيغة واحدة تصلح لجميع الجامعات. فجامعة تعمل في منطقة مستقرة نسبياً ليست كجامعة تقع في منطقة تشهد عمليات عسكرية. والتخصصات نفسها تختلف، فالتخصص النظري قد يستطيع الاستمرار بدرجة أكبر عبر التعليم الإلكتروني، بينما تحتاج التخصصات الطبية والهندسية إلى بنية تطبيقية يصعب تعويضها.
وليس السودان وحده من واجه هذه التحديات، فقد مرت دول أخرى بحـ.ـروب وطورت نماذج تعليمية قادرة على الصمود. وتقدم تجارب عدد من الدول التي عاشت الحروب والأزمات نماذج مختلفة لاستمرارية التعليم من خلال التعليم الإلكتروني، والمقار البديلة، والتعليم الهجين، بما يؤكد أن الحـ.ـرب لا ينبغي أن تكون حكماً بإعدام العملية التعليمية. وهذه التجارب تؤكد أن استمرارية التعليم في زمن الحـ.ـرب ممكنة، إذا توفرت الإرادة والموارد والمرونة.
سابعاً: أخطر ما في الحـ.ـرب أنها قد تحول الجامعة إلى أداة للصـ.ـراع: ينتقل البيان في نهايته إلى قضية أكثر سياسية، حين يحذر من تحويل الجامعات إلى ساحة حـ.ـرب جديدة ومن تكريس واقع تقسيمي. وهنا تتجاوز المسألة حدود التعليم العالي إلى وحدة الدولة نفسها.
يتبع لطفاً،،،،،،،،،،،،،،،،

Leave a Reply