طارق عبد اللطيف ابوعكرمة
ليست قيمة النداء الذي وجهته القوى المناهضة للحرب إلى الشعب السوداني في أنه خاطب الناس فحسب، وإنما في أنه أعاد إلى الشعب موقعه الطبيعي في المعادلة: موقع صاحب الإرادة، وصاحب الحق، وصاحب القرار في مستقبل بلاده.
ففي لحظة تحاول فيها الح-رب أن تختزل السودان في البنادق والمواقع العسكرية وموازين القوة، تأتي الوثيقة لتقول شيئاً مختلفاً: إن السودان ليس ملكاً للمتقاتلين، وإن مستقبل البلاد لا يكتبه السلاح، ولا تصنعه غرف التفاوض وحدها، ولا تمنحه العواصم الخارجية، وإنما يصنعه الشعب السوداني بإرادته الحرة.
ومن هنا تكتسب عبارة (يا أبناء وبنات السودان)، معناها الأعمق، فهي ليست مجرد صيغة خطابية، بل استدعاء للجماهير إلى استعادة دورها في تقرير مصيرها. فالنداء، في جوهره، محاولة لإخراج الشعب من موقع المتلقي للح-رب إلى موقع الفاعل في إنهائها، ومن موقع الضحية إلى موقع صانع المستقبل.
إنه، في جوهره، استنهاض للضمير الوطني، وتذكير بأن الح-رب ليست قدراً محتوماً، وأن السلام ليس منّة تُمنح من أعلى، بل حق للشعب وإرادة لا تستقيم إلا حين تتحول إلى فعل. ومن هنا يبرز السؤال: كيف يمكن قراءة هذا النداء، وما الذي يريده من الشعب السوداني؟
تبدأ الوثيقة نداءها بعبارة تحمل في طياتها إعلاناً للإرادة الإنسانية: (يا أبناء وبنات السودان… لقد آن الأوان أن نقول كلمتنا بصوت واحد). فهي لا تقول فقط: لقد آن الأوان أن تنتهي الح-رب، بل تقول: لقد آن الأوان أن يقول الشعب كلمته. وهذا فارق جوهري، لأن الح-رب، مهما بدت أكبر من الإنسان، ليست حدثاً طبيعياً يحدث من تلقاء نفسه، وإنما هي نتاج قرارات وإرادات، وبالتالي يمكن مواجهتها بقرارات وإرادات مضادة. فالإنسان في هذه الرؤية ليس مجرد ضحية للظروف، بل فاعل في تاريخه.
وإذا كانت الحرب قد فُرضت على السودانيين، فإن رفضها يصبح فعلاً يستعيد به الشعب إنسانيته وموقعه في التاريخ، ويخرجه من دائرة الضحية إلى دائرة الفاعل. فـ (قول الكلمة بصوت واحد)، ليس مجرد تعبير عن رأي، بل إعلان عن وجود سياسي، واستعادة للإرادة الجماعية التي حاولت الح-رب طمسها.
وتذهب الوثيقة إلى أبعد من ذلك حين تؤكد ضرورة رفض الح-رب، بالتوازي مع رفض خطاب الكراهية والتخوين والتحريض. فهي تدرك أن الحرب ليست مجرد صراع عسكري، بل منظومة من الخطاب والعنف تستهدف تدمير النسيج الاجتماعي، وتغذية الانقسامات، وتحويل الآخر إلى عدو مطلق.
ومن ثم فإن رفض الح-رب لا يكتمل بمجرد رفض إطلاق النار، بل يتطلب أيضاً تحرير الوعي الشعبي من اللغة التي تجعل الحرب قابلة للاستمرار. فحين تتغير لغة الجماهير، تتغير مساحة الممكن السياسي.
من أكثر ما تحمله الوثيقة من دلالة قولها: (السلام ليس منّة تُمنح، بل حق يُنتزع بضغط شعبي متواصل). وهذه العبارة تقلب المعادلة السياسية رأساً على عقب.
فالسلام، في الخطاب السياسي التقليدي، كثيراً ما يقدم بوصفه هبة من القادة، أو اتفاقاً بين المتحاربين، أو نتيجة لجهود الوساطة الدولية. أما الوثيقة فتضع الشعب في قلب المعادلة: السلام حق أصيل للسودانيين، وليس منّة من أحد. وإذا كان السلام حقاً، فإن الدفاع عنه يصبح مسؤولية شعبية، ويصبح الضغط الشعبي وسيلة مشروعة لاستعادته. فالوثيقة لا تدعو الشعب إلى انتظار السلام، بل إلى المشاركة في صناعته، ولا تطلب منه أن يكون متفرجاً على المفاوضات، بل طرفاً في تحديد وجهتها وغاياتها.
وتأتي الإشارة إلى (الحراك المدني والنقابي المتصاعد في داخل البلاد)، لتؤكد أن الضغط الشعبي ليس حلماً نظرياً، وإنما يمكن أن يتحول إلى قوة اجتماعية وسياسية قادرة على تغيير اتجاه الأحداث. لكن تحويل النداء إلى حركة شعبية حقيقية يواجه تحديات كبيرة: تشرذم القوى المدنية، وغياب التنظيم الموحد، والخوف من القمع، واستمرار الاستقطاب، فضلاً عن التدخلات الخارجية. ولذلك لا يكفي أن يمتلك الشعب الرغبة في السلام، بل يحتاج إلى أدوات تنظيمية ومساحات آمنة للتعبير والعمل المشترك.
تؤكد الوثيقة مبدأً أساسياً: (مستقبل السودان لا يقرر بمنطق الغلبة والسلاح، بل بإرادة أبناء وبنات السودان الحرة التي لا تنكسر). وهنا تستعيد الجماهير معناها السياسي الكامل. فالجماهير ليست مجرد مجموع المواطنين الذين يعيشون آثار الحرب، بل هي القوة التي تستطيع إعادة تعريف الأولويات الوطنية: وقف الحرب، حفظ وحدة السودان، بناء الدولة المدنية الديمقراطية، وترسيخ المواطنة المتساوية. فإن إعادة الشعب إلى مركز القرار تعني ببساطة أن من دفع ثمن الحرب يجب ألا يُحرم من حقه في صناعة السلام، وأن من عاش المأساة لا يجوز أن يكون غائباً عن تقرير المستقبل. وهذا الطرح يتجاوز رفض الح-رب إلى رفض شرعية أي ترتيب سياسي يقوم على وقائع الحرب. فالحرب تنتج أمراً واقعاً جديداً على الأرض، وقد يحاول المتصارعون تحويل هذا الواقع إلى أساس للمستقبل. لكن الشعب، وفق منطق الوثيقة، ليس ملزماً بأن يرث نتائج البندقية باعتبارها قدراً سياسياً. فالسودان لا ينبغي أن يتحول إلى خريطة ترسمها مواقع السيطرة العسكرية، ولا إلى دولة تعاد صياغتها وفق موازين القوة التي فرضتها الح-رب. المستقبل ملك للسودانيين، وليس مكافأة لمن امتلك السلاح.
ومن هنا فإن التسويات التي تقوم على الغلبة العسكرية تظل هشة، لأنها لا تستند إلى إرادة الشعب. أما الحل الذي يستند إلى الجماهير، وإلى حوار وطني حقيقي، وإلى دولة المواطنة والعدالة، فيمتلك فرصة أكبر للاستمرار.
وتصل الوثيقة إلى جوهر آخر من جواهر النداء حين تقول: (إن خلاصنا لن يأتي إلا بعملنا سويًا كمجموعات وأفراد ترفض الح-رب، في الداخل والخارج، عابرين للجهات والمناطق والانتماءات، متّحدين على هدف واحد هو إنقاذ ما تبقّى من وطننا وبناء سودان جديد يليق بتضحيات شعبه). إنها دعوة إلى استعادة وحدة الشعب، لا على أساس إلغاء التنوع، وإنما على أساس تجاوز الانقسامات التي جعلت من التنوع مادة للصراع.
فالح-رب تستفيد من الانقسام، وتعيد إنتاجه، وتحول الجهة والقبيلة والمنطقة والانتماء السياسي إلى حدود تفصل السودانيين عن بعضهم بعضاً. ولذلك فإن الوعي الشعبي الذي يرفض الح-رب لا بد أن يرفض في الوقت نفسه تحويل هذه الانتماءات إلى أدوات للقطيعة والعداء. وهنا تبدو الوحدة التي تدعو إليها الوثيقة وحدة هدف قبل أن تكون وحدة تنظيم. فهي لا تشترط أن يصبح السودانيون حزباً واحداً أو تنظيماً واحداً، وإنما تدعوهم إلى الالتقاء حول هدف وطني جامع: وقف الحرب وإنقاذ الوطن وبناء مستقبله.
وليس هذا النداء غريباً عن التاريخ السوداني الحديث، فقد سبقتْه نداءات وحركات شعبية في ثورة ديسمبر 2018، وفي الحراك الذي أعقب انقلاب أكتوبر 2021. لكن خصوصية هذا النداء أنه يصدر في ظل حرب مدمرة، تجعل الحاجة إلى وحدة الجماهير أكثر إلحاحاً، وفي الوقت نفسه تجعل تحقيقها أكثر صعوبة.
وتبرز هنا أدوار المرأة والشباب بصورة خاصة. فالمرأة السودانية كانت في طليعة الحراك الشعبي، ودفع السودانيون جميعاً ثمناً باهظاً للحرب، بينما يمتلك الشباب الطاقة والقدرة على التواصل والتعبئة واستخدام وسائل الاتصال الحديثة. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الفئات لا تكمن فقط في قدرتها على الاحتجاج، وإنما في قدرتها على إعادة بناء المجال العام الذي تستطيع فيه الجماهير أن تتحدث عن مستقبلها بعيداً عن الاستقطاب والخوف.
تختتم الوثيقة بيان موقفها بتجديد الالتزام بالعمل من أجل وقف وإنهاء الحرب: (قد تعاهدنا على هذا الموقف المشترك، ونجدد التزامنا الكامل بالعمل سوياً من أجل وقف وإنهاء الحرب). وهنا ينتقل النداء من مستوى الخطاب إلى مستوى المسؤولية. فالقوى الموقعة لا تخاطب الشعب فقط، وإنما تقدم أمامه تعهداً. وهذا يحول الوثيقة من مجرد إعلان سياسي إلى التزام أخلاقي وسياسي ينبغي أن يقاس بمدى القدرة على تحويل الكلمات إلى فعل. والعهد الحقيقي لا يكون أمام الحلفاء السياسيين وحدهم، بل أمام الشعب الذي دفع ثمن الحرب، وأمام الجماهير التي تحملت النزوح والفقد والانهيار والخوف.
وتتضمن الوثيقة أيضاً مخاطبة العالم، من خلال مجلس الأمن والمجتمعين الإقليمي والدولي، لبحث سبل تيسير عملية سلام حقيقية. وهنا لا يتناقض البعد الدولي مع مركزية الشعب السوداني، فالمطلوب من الخارج أن يساعد السودانيين، لا أن يحل محلهم، وأن يساند إرادتهم لا أن يصادرها. فالسلام الذي يريده الشعب يحتاج إلى دعم الأشقاء والأصدقاء، لكنه لا يحتمل الوصاية. والمجتمع الدولي يمكن أن يوفر الضمانات والضغط والمساندة، لكن الشرعية النهائية لأي حل تظل مرتبطة بإرادة السودانيين.
ويأتي الإعلام في قلب هذه المعركة. ففي زمن الكراهية والتضليل، يستطيع الإعلام أن يعيد للجماهير حقها في المعرفة والسؤال والاختلاف. فالإعلام الذي ينقل معاناة الشعب، ويكشف خطاب التحريض، ويفتح المجال للأصوات المدنية، يمكن أن يجعل النداء أكثر من مجرد كلمات في وثيقة.
وهنا تبلغ الوثيقة ذروة معناه، في العودة إلى الشعب. فالحديث عن إرادة الشعب لا يكتمل إذا بقي الشعب مجرد جمهور يُطلب منه تأييد هذا الموقف أو ذاك. الإرادة الشعبية الحقيقية تعني أن يكون الشعب شريكاً في تحديد الأولويات، وصاحب حق في اختيار السلطة، وصانعاً لمستقبل الدولة. فالوثيقة، في ندائها، لا تخاطب الشعب كمتلقٍ للرسائل، بل كفاعل في صناعة المستقبل. والسلام الحقيقي لا يصنع في قاعات المفاوضات وحدها، بل في وعي الجماهير، وفي قدرتها على الضغط، وفي تنظيمها، وفي مشاركتها في بناء المؤسسات التي ستولد بعد الحرب. وهذا يعيد تعريف الشرعية نفسها. فالسلطة ليست غنيمة لمن يملك القوة، وإنما مسؤولية تستمد مشروعيتها من الشعب. والحكومة التي لا تستند إلى إرادة المواطنين تظل هشة مهما امتلكت من أدوات القوة.
كما أن العودة إلى الشعب تعني رفض الوصاية، سواء كانت وصاية داخلية من نخب تزعم احتكار تمثيله، أو وصاية خارجية من قوى إقليمية ودولية تريد رسم مستقبله نيابة عنه. فالشعب السوداني، بعد كل ما عانى، يستحق أن يكون صانع قراره لا موضوعاً لتسويات الآخرين. ومن هنا يصبح (الضغط الشعبي)، الذي تتحدث عنه الوثيقة أكثر من احتجاج عابر، إنه انتقال من الوعي إلى الإرادة، ومن الإرادة إلى التنظيم، ومن التنظيم إلى الفعل السياسي السلمي.
في النهاية، يظل هذا النداء أحد أكثر مقاطع وثيقة أديس أبابا إنسانية وتأثيراً، لأنه يعيد مركز الثقل إلى حيث ينبغي أن يكون: إلى الشعب السوداني نفسه. إنه ليس مجرد خطاب سياسي يضاف إلى خطابات الحرب، بل محاولة لاستعادة الإنسان السوداني من تحت ركام البندقية، وإعادة تعريفه باعتباره مواطناً وصاحب حق وصاحب إرادة. فالنداء يرفض الحرب، ويرفض خطاب الكراهية، ويرفض منطق الغلبة، لكنه في الوقت نفسه يقدم شيئاً أكثر عمقاً: دعوة إلى استعادة الجماهير لدورها في صناعة السلام والدولة والمستقبل.
هل يستطيع السودانيون أن يحولوا رفض الح-رب إلى إرادة جماعية؟ وهل تستطيع الجماهير أن تتجاوز الجهات والانتماءات والانقسامات، وأن تلتقي حول مصلحة وطنية واحدة؟ وهل تستطيع القوى المناهضة للحرب أن تجعل هذا النداء جسراً بين الشعب والقوى السياسية، لا مجرد خطاب جديد يضاف إلى الوثائق؟ هذه الأسئلة لا تجيب عنها الوثيقة وحدها، لأن الإجابة الحقيقية تقع خارجها، في المجال الذي تخاطبه: في الشعب والجماهير.
وهنا تتكامل أجزاء وثيقة الموقف المشترك: رفض الحوار الذي يُدار بمنطق الحرب، وطرح عملية سلام تقوم على مسارات متزامنة، والدعوة إلى وساطة موحدة تحترم الملكية السودانية للحلول، ثم الوصول إلى السؤال الأعمق: من يملك المستقبل؟ والجواب الذي يضعه النداء بوضوح هو أن المستقبل ليس ملكاً للبندقية، ولا للوسطاء، ولا للنخب وحدها، وإنما ملك للشعب. فـ (مستقبل السودان لا يقرر بمنطق الغلبة والسلاح، بل بإرادة أبناء وبنات السودان الحرة التي لا تنكسر). وحين تتحول هذه الإرادة من شعور إلى وعي، ومن وعي إلى تنظيم، ومن تنظيم إلى فعل وطني، يصبح السلام أكثر من اتفاق، وتصبح الدولة أكثر من سلطة، ويصبح الوطن أكثر من أرض. عندها فقط يمكن أن يتحول نداء الضمير إلى إرادة جماهيرية، وإرادة الجماهير إلى وطن.
معاً: لوقف الح-رب، وحماية المدنيين، وإبعاد قوى النظام البائد، وبناء جبهة شعبية عريضة تقود التحول الديمقراطي وتؤسس لدولة المواطنة والعدالة.

Leave a Reply