طارق عبد اللطيف أبو عكرمة
قلما يفكر المرء بالأشياء البسيطة، مع أن في بساطتها سراً يفوق الأسرار. بهذه العبارة يفتتح القائد المؤسس نصه (القومية قدر محبب)، ليضعنا أمام مفارقة كبرى: أن أعظم الحقائق هي تلك التي نمر عليها يومياً دون أن نلتفت إليها. فكما أن للإنسان اسماً يلازمه، وملامح تحدد هويته، كذلك للأمة قومية هي اسمها ووجهها في التاريخ.
وهذا النص، الذي كتب عام 1940، ليس مجرد تأمل عابر في مفهوم القومية، بل هو محاولة فلسفية عميقة لإعادة تعريف علاقة الإنسان بمصيره الجماعي، ولتحرير الفرد من عزلة الوجود الفردي إلى فضاء التاريخ المشترك. فالقومية، في هذه الرؤية، ليست مجرد انتماء سياسي، بل هي قدر محبب، واسم يمنح الإنسان هويته، ووجه يعرف به بين الأمم.
ولعل المدخل الأعمق إلى هذا النص ليس سؤال: ما القومية؟ وإنما سؤال: من أنا؟ ومن أين جاءت ملامحي، وما الذي يصل وجودي الفردي بهذا الامتداد الهائل من التاريخ؟ فالقومية عند القائد المؤسس ميشيل تبدأ من الإنسان، لكنها لا تتوقف عنده، إذ تنقله من مجرد فرد له اسم وملامح إلى إنسان يحمل جذوراً ومسؤولية ورسالة، وبذلك يتحول الانتماء من حقيقة يولد بها الإنسان إلى وعي يطالبه بأن يكون جديراً بها.
في مستهل النص، يضع القائد المؤسس ميشيل يده على تشبيه بالغ الدقة: القومية للشعب كالاسم للشخص، وكالملامح للوجه. وحين يشبّه القائد المؤسس عفلق القومية بالملامح، فإنه لا يقصد الملامح الجسدية أو التركيب الجيني، بل الملامح المعرفية والروحية والتاريخية للأمة: معرفة تاريخها، وإدراك حاضرها، واستشراف مستقبلها. فالملامح هنا وعيٌ بالذات والمصير، يجعل الانتماء أكثر من مجرد انتساب، ليصبح مسؤوليةً عن اتجاه الأمة في التاريخ. فكما أن الإنسان لا يختار اسمه ولا ملامحه، بل يولد بها ويلازمها طوال حياته، كذلك الأمة لا تختار قوميتها، بل هي قدرها التاريخي، ووجهها في مسرح الحضارات. ولهذا يبلغ تشبيه الاسم والملامح غايته عند القائد المؤسس ميشيل في العبارة التي تختصر معنى الهوية كلها: (أنا عربي). فالمقصود ليس مجرد الانتساب إلى جماعة، وإنما أن يمتلك الإنسان اسماً تاريخياً ومكاناً في العالم، وألا يبقى (زيداً أو بكراً من الناس)، بلا جذور ولا ملامح ولا ذاكرة. هنا تتحول الهوية من تعريف للإنسان إلى استعادة لموقعه في التاريخ.
وهذا الطرح يحمل دلالة فلسفية عميقة: فالقومية ليست اختياراً عقلانياً يمكن تبنيه أو نبذه بناءً على حساب المصالح، بل هي حقيقة وجودية، تتجذر في أعماق التاريخ، وتتشكل عبر قرون من التفاعل بين الإنسان والأرض واللغة والمصير المشترك. وكما يقول القائد المؤسس ميشيل: (من العبث أن يضيع المرء عمره في اللهف والأسف – لو ولدت في غير هذا البيت ووجدت على غير هذه الصورة – فإن من الجهد الضائع أيضاً أن يحاول الإنسان التحلل من رباط قوميته التي أحكمت شدها به أصابع القرون).
وهنا نجد تطابقاً مع ما كتبه القائد المؤسس ميشيل في مقال (القومية العربية حب قبل كل شيء) (1957)، حيث قال: (الفكرة العربية هي بديهية خالدة، وهي قدر محبب، وأنها حب قبل كل شيء). فالقومية، في كلا النصين، ليست نظرية سياسية، بل هي حقيقة سابقة على الوعي، واردة على الإنسان قبل أن يختارها.
ومن هذه الزاوية، يبدو نص (القومية قدر محبب) متصلاً بالإيمان من مركزية القوة الداخلية في مشروع عفلق، فالإنسان لا يصنع تاريخه بمجرد امتلاك الحقيقة، وإنما حين تتحول الحقيقة في داخله إلى إيمان، ثم إلى إرادة وفعل. وفي (القومية قدر محبب)، يتخذ هذا المبدأ صورة أخرى؛ فالانتماء موجود، لكن قيمته تبدأ حين يستيقظ له الإنسان، ويقبله، ويحوله من رابطة موروثة إلى مسؤولية واعية.
ولكن الوعي بالقدر لا يكفي، بل لا بد من القبول به والإرادة لتحقيقه. وهنا ينتقل القائد المؤسس ميشيل إلى فكرة أكثر عمقاً: (متى انتبه الإنسان إلى قدره يخرج من حالة الحياة السطحية ويدخل في جريان الحياة الحارة القوية، فإذا رافق عنده هذا الانتباه إلى القدر، القبول به، اتخذت حياته اتجاهها واتسمت بالرجولة). فالقومية، في هذه الرؤية، ليست مجرد واقع جامد، بل هي طاقة روحية تنتظر من يوقظها. والإنسان الذي لا يعي قوميته، يعيش حياة سطحية، منفصلة عن جذوره، ضائعة في تفاهة الحاضر. أما الذي يستيقظ لقوميته، فيدخل في (جريان الحياة الحارة القوية)، ويتصل بتيار التاريخ، وتتخذ حياته معنى واتجاهاً.
وهنا تتصل هذه الفكرة اتصالاً مباشراً بموضوع (القومية العربية حب قبل كل شيء)، التي تكشف أن القومية عند القائد المؤسس ميشيل ليست مجرد رابطة موضوعية بين أفراد تجمعهم اللغة والتاريخ، وإنما علاقة وجدانية وروحية تجعل الانتماء حباً، والحب التزاماً، والالتزام فعلاً. وإذا كان (القومية قدر محبب) يشرح كيف يكون الانتماء قدراً، فإن (القومية العربية حب قبل كل شيء) يضيء كيف يتحول هذا القدر من رابطة موروثة إلى علاقة حية بالإنسان والأمة والرسالة.
وهذا المقطع يذكرنا بما كتبه القائد المؤسس ميشيل في مقال (المستقبل) (1950)، حيث قال: (ليس المستقبل هو الزمان الذي سيأتي، بل المستوى النفسي والفكري الذي علينا أن نصل إليه في الوقت الحاضر). فكما أن المستقبل يبدأ بالوعي، كذلك القومية تبدأ بالانتباه إلى القدر. وهنا يلتقي (القومية قدر محبب) مع (المستقبل): فالماضي عند القائد المؤسس ميشيل ليس زمناً مغلقاً، كما أن المستقبل ليس زمناً مؤجلاً؛ كلاهما يدخلان في صناعة الحاضر. فإذا كان المستقبل مستوى نفسياً وفكرياً ينبغي أن يبدأ من الحاضر، فإن القومية كذلك ليست ميراثاً ساكناً، بل مسؤولية حية لا تكتسب معناها إلا بما يفعله الإنسان بها اليوم. وبذلك يصبح الماضي جذراً، والمستقبل أفقاً، والحاضر هو ميدان الإرادة.
ثم ينتقل القائد المؤسس ميشيل إلى وصف مؤلم للإنسان الذي لا يعي قوميته، فيكتب: (إنني كلما فكرت في حالة امرئ كهذا ترتعد فرائصي ذعراً من صورة الشقاء الذي يضمه، وصقيع العزلة التي تنأى به… أي ضيق في أفقه، وأي فقر في روحه، وأية تفاهة وشحوب في حياته؟). فهذا الإنسان يعيش عمره وهو لا يدري أنه (فرع من نبتة تغور أصولها في أحشاء الماضي، وتمتد أغصانها على امتداد العصور). إنه منفصل عن الملايين الذين تعاقبوا عبر القرون، وحرثوا الأرض، وشادوا العمران، وأعملوا الفكر، وأذابوا الأرواح، وحاربوا، وسقطوا صرعى الحروب، كل ذلك ليكتبوا تاريخ أمتهم سطراً سطراً. يقول القائد المؤسس: (وكل هذه الملايين جاهدت وجالدت وصارعت العواصف وصمدت للنكبات لكي تخرجه هو… لتغني حياته بحياة الملايين، وتدعم نشاطه بجهود مئات الأجيال ولتحمله مسؤولية الماضي وشرف هذه المسؤولية، لتوجد له اسماً ينادى به وملامح تعرفه بين الأمم…).
لكن الصورة التي يرسمها القائد المؤسس ميشيل تتجاوز مجرد الحنين إلى الماضي؛ فالإنسان الذي يجهل قوميته يجهل أيضاً حجم الدين التاريخي الذي يحمله. فهو، في نظره، ثمرة جهود مئات الأجيال، وامتداد لملايين البشر الذين حرثوا الأرض، وشادوا العمران، وأعملوا الفكر، وصارعوا العواصف، وصمدت للنكبات، حتى أخرجوه من (ظلمة العدم إلى نور الحياة). وهنا تتحول القومية من مجرد رابطة انتماء إلى مسؤولية: فالفرد لا يرث اسماً وملامح فحسب، بل يرث تاريخاً وتضحيات وشرف مسؤولية. ومن ثم فإن السؤال عند القائد المؤسس ميشيل ليس فقط: ماذا أعطتني أمتي؟ بل أيضاً: ماذا سأضيف أنا إلى تاريخها؟
وهنا تبلغ الفلسفة ذروتها: فالإنسان الذي لا يعي قوميته، لا يعي أنه وريث لتضحيات الملايين، وحامل لمسؤولية الماضي، ومشارك في كتابة المستقبل. إنه يعيش في عزلة عن التاريخ، وفقر في الروح، وتفاهة في الأفق. وكأن القائد المؤسس ميشيل يقول: إن القومية ليست مجرد انتماء، بل هي شرط للوجود الإنساني الكامل.
ومن أكثر ما يثير التأمل في هذا النص، هو موقف القائد المؤسس ميشيل من (قسوة القدر). فهو يقر بأن القدر قد يكون قاسياً حين يلقي بالأمة في عصر الضعف والمذلة والتأخر، بدلاً من عصر القوة والعز. لكنه يضيف فوراً: (ولكنه عادل أبداً، فهو لا يوزع البطولة إلا بنسبة الصعوبة، ولا يورث المجد إلا بقدر الجهد).
وهذه الفكرة تحمل رؤية تاريخية عميقة: فالبطولة الحقيقية لا تقاس بحجم الانتصار، بل بحجم التحدي. والمجد لا يورث لمن يسهل عليه الطريق، بل لمن يشق طريقه في أصعب الظروف. وهذا يذكرنا بما كتبه القائد المؤسس ميشيل في مقال (عهد البطولة)، حيث قال: (إن البطولة ليست غياب الخوف، بل حضور الإرادة في مواجهته). فالقدر القاسي، في هذه الرؤية، ليس نقمة، بل هو فرصة لصناعة البطولة، واختبار للإرادة، وميدان لكتابة التاريخ.
ولا يقف القائد المؤسس ميشيل عند تمجيد أبطال الماضي، بل يعيد الاعتبار إلى أبطال الحاضر. فالذين يجاهدون في زمن الضعف والاستعمار والتجزئة والجهل والفقر لا يقلون بطولة، في منطقه، عن أبطال العصور الذهبية. بل إن صعوبة عصرهم هي التي تمنح بطولتهم معناها. والأكثر دلالة أن القائد المؤسس ميشيل ينظر إلى هؤلاء بعين الجيل القادم، الذي قد يحول تضحياتهم إلى (ملحمة خالدة)، ويجعل من تلك التضحية (منشأ فلسفة جديدة). وهنا يبلغ مفهوم البطولة بعده التاريخي: الإنسان لا يعيش فقط ما يصنعه التاريخ، بل قد يصبح هو نفسه مادة التاريخ الذي سيكتبه القادمون.
يضع القائد المؤسس ميشيل القومية في سياقها الزمني: فهي ربط بين الماضي والمستقبل، بين مسؤولية التاريخ وأماني الغد. فالقومي الذي يعي قدره، يحمل تراث الماضي، ويتحمل مسؤولية الحاضر، وينشد آمال المستقبل. وهو بذلك يتجاوز حدود فرديته وأانيته، ليدخل في فضاء الجماعة والتاريخ والرسالة.
وهذا يرتبط بما كتبه عفلق في مقال (القومية العربية حب قبل كل شيء)، حيث قال: (القومية، في جوهرها، هي قومية إنسانية، لأنها تؤمن بأن للأمة العربية رسالة في التاريخ، وأن هذه الرسالة لا تتحقق إلا بالتفاعل مع البشرية كلها). فالقومية، في هذه الرؤية، ليست انغلاقاً على الذات، بل هي انفتاح على الرسالة، ووعي بالمصير، واستعداد لتحمل المسؤولية في التاريخ.
بعد أكثر من ثمانين عاماً على كتابة هذا النص، تبدو أسئلته أكثر إلحاحاً. ففي زمن تهيمن فيه العولمة، وتتسارع فيه التحولات، وتتداعى فيه الحدود، يظل السؤال عن الهوية والانتماء حاضراً بقوة. وكثيراً ما يُختزل النقاش حول القومية في ثنائيات وهمية: إما التعصب العرقي، أو الانصهار في كونية مائعة. لكن القائد المؤسس ميشيل، في هذا النص، يقدم رؤية مختلفة: القومية ليست تعصباً، بل هي قدر محبب، واسم يمنح الإنسان هويته، ووجه يعرف به بين الأمم. وهي ليست انغلاقاً، بل هي جسر بين الفرد وتاريخه، وبين الإنسان ورسالته، وبين الحاضر والمستقبل.
وربما كان أخطر ما يواجه الفكر القومي اليوم هو تحوله إلى شعارات جامدة، أو إلى خطاب دفاعي عن ماضٍ لا ينتج مستقبلاً. لكن القائد المؤسس ميشيل يذكرنا بأن القومية ليست مجرد انتماء، بل هي وعي بالمصير، وإرادة للمشاركة في صناعة التاريخ، واستعداد لتحمل المسؤولية. وهي، كما قال في هذا النص، (قدر محبب) لا نختاره، لكننا نستطيع أن نجعله جديراً بنا.
وحين نضع (القومية قدر محبب) في سياق القراءات السابقة من (في سبيل البعث)، يظهر خيط فكري أكثر اتساقاً مما قد يبدو للوهلة الأولى. ففي (الإيمان) برز الإنسان بوصفه مركز الحركة الداخلية التي تحول الفكرة إلى قوة، وفي (المستقبل) ظهر الغد بوصفه مستوى ينبغي أن يبدأ تشييده في الحاضر، وفي (القومية العربية حب قبل كل شيء) ظهر الانتماء بوصفه حباً يتجاوز الرابطة إلى الرسالة. أما هنا، في (القومية قدر محبب)، فتلتقي هذه الخيوط جميعاً في إنسان يؤمن، وهوية تمنحه الجذور، وحاضر يطالبه بالمسؤولية، ومستقبل ينتظر فعله، ورسالة لا تتحقق إلا بالإرادة والجهد والبطولة.
خاتمة: ليس (القومية قدر محبب) مجرد نص سياسي، ولا هو دفاع عن أيديولوجية، بل هو تأمل فلسفي في معنى الانتماء، وفي العلاقة بين الفرد والأمة، وبين الماضي والمستقبل، وبين القدر والإرادة. وقد نجح القائد المؤسس ميشيل في هذا النص في تحويل القومية من مفهوم سياسي جاف إلى حقيقة وجودية، تمنح الإنسان هويته، وتحرره من ضياع اللامعنى، وتربطه بجذوره في الماضي، وتفتح له آفاق المستقبل.
فالإنسان الذي يعي قوميته، لا يعيش في عزلة عن التاريخ، بل يدخل في (جريان الحياة الحارة القوية)، ويتصل بتيار الأمة، وتتخذ حياته معنى واتجاهاً. وكما قال في ختام مقاله: (قد يكون قاسياً هذا القدر… ولكنه عادل أبداً، فهو لا يوزع البطولة إلا بنسبة الصعوبة، ولا يورث المجد إلا بقدر الجهد).
وهكذا، تظل هذه الرسالة الأعمق لهذا النص: أن القومية ليست مجرد انتماء، بل هي قدر، وليست مجرد ماض، بل هي مستقبل، وليست مجرد هوية، بل هي رسالة. وحين يصبح القدر محبوباً، والإرادة واعية، والجهد مبذولاً، تتحقق القومية في التاريخ، وتصبح الأمة قادرة على أن تكون فاعلاً في مسار الحضارة الإنسانية، لا مجرد تابع لها.

Leave a Reply