الملف الاقتصادي للهدف ينشر التقرير الاقتصادي والاجتماعي للمؤتمر القومي الثالث عشر 2026م (3)

صحيفة الهدف

ويظهر واقع التكنولوجيا الرقمية أنه يعاني من فجوة كبيرة بين الدول العربية بعضها، والعديد منها لا سيما الأقل نمواً، لم تشهد تطويراً كبيراً في بنيتها التحتية الرقمية وما تزال غير جاهزة، وبعيدة عن إنتاج واستغلال التقنيات، حيث يغلب على هيكل قطاعها الصناعي الصناعات ذات المحتوى التكنولوجي المنخفض والتقدم التكنولوجي لخطوط الإنتاج، ولا يزال العديد من مؤسساتها الصناعية محدودة من حيث اعتمادها على التقنيات الرقمية الحديثة. ولا يمكن التحدي الحقيقي للبلدان العربية في مجرد جلب التكنولوجيا ذاتها والانتفاع بها، وإنما في تطويرها بالقدر الذي يمكنها من تنمية قدراتها الصناعية وتجنب آثارها الجانبية السلبية وتقليل الفجوة بينها وبين الدول المتقدمة حتى يتسنى لها البقاء في سوق المنافسة على المستويين المحلي والدولي، خاصة في ظل ما يشهده العالم من تكتلات اقتصادية بين الدول الصناعية الكبرى.
ومن الظواهر الخطرة التي شهدها العديد من الأقطار العربية هو تشييد المدن الترفيهية والعمارات والفنادق والجزر الساحلية الفاخرة الموجَّهة للفئات الثرية من الطبقات الغنية، كذلك بهدف استقطاب الأجانب للسكن وإعطائهم حق الإقامة الدائمة والجنسية وذلك على حساب تلبية الاحتياجات السكنية والترفيهية للمواطنين. إن هذا النشاط عدا عن كونه يخلق اقتصاداً “ساخناً” معرضاً لمخاطر محو الهوية وعدم الاستقرار العالمي، فإنه يجعل الأمن الاقتصادي الوطني خاضعاً لعوامل خارجية لا يمكن التحكم فيها على المدى البعيد.
وتكشف بيانات التجارة الخارجية جانباً من الانكشاف الاقتصادي للأقطار العربية. فإذا استثنينا الصادرات النفطية، فإن إجمالي الصادرات غير النفطية تبلغ نحو ٤٩٠ مليار دولار مقابل واردات بقيمة ٩٦٦ مليار دولار عام ٢٠٢٣، مما يجعل هذه الأقطار تعاني من عجز يتجاوز ٤٧٦ مليار دولار. كما أن التجارة البينية العربية لا تمثل أكثر من ١٠ في المائة من إجمالي التجارة العربية، بينما تتركز الدول الآسيوية بحصة نحو ٤٤ في المائة ثم الدول الأوروبية بحصة ١٠ في المائة والولايات المتحدة ٤ في المائة في جانب صادرات الدول العربية.
فيما يتعلق بمؤشرات المديونية الخارجية، فقد ارتفع إجمالي رصيد الدين الخارجي للدول العربية المتوفرة عنها بيانات بنهاية عام ٢٠٢٣ بنسبة ١٩.٥ في المائة ليصل إلى حوالي ٦٣٤.٣ مليار دولار أمريكي يمثل نحو ٣٠ في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية في هذا العام، مقارنةً بحوالي ٥٢٤ مليار دولار بنسبة ٢١.٢ في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وزادت تكاليف خدمة الدين الخارجي للدول العربية بحوالي ٧.٧ مليار دولار أمريكي، من نحو ٣٩.٤ مليار دولار أمريكي بنهاية عام ٢٠٢٢ إلى حوالي ٤٧.٤ مليار دولار أمريكي بنهاية عام ٢٠٢٣. وارتفعت نسبة خدمة الدين إلى الصادرات السلعية والخدمية بحوالي ٣ نقاط مئوية لتصل إلى حوالي ١٤.٦ في المائة بنهاية عام ٢٠٢٣، مقارنة بنسبة بلغت نحو ١١.٦ في المائة بنهاية عام ٢٠٢٢.
وتعاني الأقطار العربية من فجوة الموارد المحلية بمعنى أن الادخار المحلي لا يغطي احتياجات الاستثمار، حيث تراوحت معدلات الاستثمار (نسبة الاستثمار إلى الناتج المحلي الإجمالي) بين ٤٦.٨ في المائة في قطر و ٥٠.٦ في المائة في ليبيا. بينما تراوحت معدلات الادخار (نسبة الادخار إلى الناتج المحلي الإجمالي) بين ١٤.٩ في المائة في قطر و ٤٩.١- في المائة في ليبيا.
ويستمر ارتفاع معدل التضخم في التضييق على الحياة المعيشية للمواطنين، خاصة أن تأثير ارتفاع الأسعار يمتد أفقياً وعمودياً، ويتفاوت معدل التضخم في الأقطار العربية حيث يتجاوز ٥٠٪ في الأقطار التي تعاني من الحروب مثل اليمن والسودان وليبيا وسورية ولبنان. وفي بقية الأقطار تعكس معدلات التضخم المرتفعة جانباً رئيسياً من هذه الظاهرة ما يسمى بالتضخم المستورد نتيجة تدهور قيم العملات المحلية مقابل العملات الأجنبية وخاصة الدولار الأمريكي مما يرفع من فاتورة الواردات مقابل خفض فاتورة الصادرات. وتعاني العديد من الدول العربية بشكل حاد من هذه الظاهرة التي تهدد أمنها الاجتماعي والاقتصادي، خاصة أنه ترافقها مضاربات هائلة وخطرة من قبل سماسرة الصرافة والأسواق الموازية على أسعار العملات.
من الظواهر التي تنخر في الاقتصاديات العربية هي الفساد المستشري سياسياً ومالياً وإدارياً، وحتى أخلاقياً. وأخذ عدة أشكال منها التعثر على الإيرادات الفعلية للدولة وخاصة في الأقطار الغنية بالنفط وفساد عدد من المؤسسات المالية وشراء الولاءات والذمم والمشاريع التقليدية الكبيرة والتعيين في المناصب الحساسة والرشوة بجميع وجوهها وفي القطاعين العام والخاص والاختلاس بجميع أوجهه والمتاجرة بالنفوذ وإساءة استغلال الوظيفة وتبييض الأموال والثراء غير المشروع، وغيرها من أوجه الفساد الأخرى.
ويعود السبب الرئيسي في تفشي هذه الآفة المميتة في تركز السلطة بيد القلة الحاكمة التي تدير البلد وفق أهوائها ومصالحها الخاصة وتصنع قراراته الحساسة والمصيرية انطلاقاً من الهم والهاجس الأساسي الذي يتحكم بوجودها وهو البقاء على الكرسي مهما كانت الظروف والأحوال، وحتى لو دخل المجتمع في حالة حرب أهلية، أو في حرب مع الدول الأخرى.
كما أن ممارسات كثير من الدول والهيئات والقوى الدولية الكبرى التي تدفع العمولات والرشاوى لمسؤولي هذه الدولة أو تلك من أجل الحصول على عطاء هنا أو صفقة هناك، والدول الكبرى التي تقوم بذلك تعتبر هذا العمل -بالنسبة إليها- بمثابة مصروفات تحددها هذه الدولة لتسهيل أمورها خارج البلد، ولا تعدها رشوة يعاقب عليها القانون، بل تقوم بخصم هذه المصروفات من الضرائب التي تدفعها الشركات والأفراد للحكومة. وهذا يعني بالتطبيق العملي، أن الدول المتقدمة تساهم وتشارك في تدعيم الفساد والمفسدين، وتغذية ثقافة الفساد في البلدان النامية. ومعنى ذلك أيضاً أن الرشوة والفساد هما جزء من ثقافة وقوانين هذه الدول، وليست جزءاً من سياسة وثقافة الدول النامية فقط.
لقد أسهم ذلك في خلق البنى الحكومية المتناحرة والمتضاربة المصالح والتوجهات، والتي لا تتحكم بها مشاعر المصلحة العامة، وحقوق المجتمع، وبناء مستقبل زاهر ومنتج للبلد، بل تعيش هاجس المنفعة والأنانية المنغلقة وشبكات المعارف والمحسوبيات والزبائنية.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.