المولد النبوي والاقتصاد: من عدالة أبي ذر إلى اشتراكية البعث

صحيفة الهدف

طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

في ذكرى المولد النبوي الشريف، لا يعود إلينا سؤال الروح والعبادة وحده، بل يعود معه سؤال الاقتصاد والعدالة الاجتماعية. فالرسول الكريم ﷺ لم يكن مجرد نبي يهدي إلى التوحيد، بل كان مؤسس دولة وناظم اقتصاد، أقام نظاماً للعلاقات المالية على أساس العدل والتكافل، وجعل من الاقتصاد خادماً للمجتمع لا سيداً عليه.

ليس المولد النبوي مجرد مناسبة للروح والعبادة، بل هو تذكير بأن الإسلام جاء ليقيم عدالة اقتصادية تقوم على رفض الاحتكار، ومكافحة الاستغلال، وتحقيق التكافل. وكما قال الأستاذ أحمد ميشيل عفلق في تأمله الفلسفي: (إن ما أطمع به من الاشتراكية ليس زيادة في ثروة المعامل، بل في ثروة الحياة). فالاقتصاد العادل، في هذه الرؤية، ليس هدفاً في ذاته، بل وسيلة لإثراء الحياة الإنسانية بكل أبعادها الروحية والأخلاقية والإبداعية.

منهج النبي ﷺ في بناء الاقتصاد العادل: في العهد المدني، وضع النبي ﷺ الأسس الأولى لنظام اقتصادي يقوم على العدالة في توزيع الثروة، وتنظيم الملكية، ومكافحة الاحتكار. وقد اعتمد في ذلك على ثلاث ركائز أساسية؛ الأولى هي الملكية الخاصة المشروطة بعدم الإضرار بالصالح العام، حيث أقر الإسلام حق الفرد في الكسب والعمل لكنه جعله خاضعاً لمسؤولية اجتماعية. والثانية هي الملكية العامة التي تشمل الموارد الطبيعية التي هي ملك للأمة، كالمياه والمراعي والمعادن، والتي لا يجوز احتكارها أو استغلالها لفئة دون أخرى. والث الثالثه هي ملكية الدولة (الفيء والأنفال) التي تدار لصالح المجتمع، وتوزع وفق معايير العدالة، لا وفق المحسوبية أو القربى. وقد ثبت في التاريخ أن النبي ﷺ كان يوزع أموال الفيء والغنائم بدقة متناهية، بحيث لا يحابي فيها قريباً على بعيد، ولا غنياً على فقير. ولم تكن هذه الركائز مجرد تشريعات جامدة، بل كانت تعبيراً عن رؤية أعمق للاقتصاد بوصفه أداة لتحرير الإنسان، لا لاستعباده. وفي هذا السياق، يمكن قراءة تأمل الأستاذ أحمد ميشيل عفلق العميق: (ليس همي أن يتساوى الناس في توزيع الطعام بقدر ما يهمني أن يتاح لكل فرد إطلاق مواهبه وقواه). فالعدالة الاقتصادية، في جوهرها، ليست مجرد توزيع متساوٍ للموارد، بل هي تهيئة الظروف التي تمكن كل إنسان من تحقيق إمكاناته الكاملة.

أبو ذر الغفاري: صوت العدالة ضد الفقر: ومن أبرز من جسد هذه الروح الاقتصادية في عصر النبوة، الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري. ذلك الرجل الذي لم يكن فيلسوفاً ولا صاحب مذهب، بل كان رجلاً بدوياً بسيطاً، صحب النبي ﷺ وأخذ عنه تعاليم الإسلام، فآمن بها ودعا إليها. وكانت قضيته الكبرى: محاربة البؤس والشقاء إلى جانب الترف والنعيم، حيث كان ينادي بأعلى صوته: لا يحل للإنسان أن يتمتع بثروة لا يحصيها العد والحساب، وجاره جائع يعجز عن القوت. وكان أبو ذر الغفاري، كما في رواياته، أحد أبرز من جسّد روح هذه العدالة الاقتصادية، معتمداً في دعوته على قول الله تعالى: (والذينَ يَكْنِزُونَ الذهبَ والفِضَّةَ، ولا يُنفقونها في سبيلِ اللهِ، فبَشِّرْهُمْ بعذابٍ أليمٍ) [التوبة: 34-35]. فكان يرى أن هذه الآية تحرم تجميد المال وخزنه، وأن الفائض عن الحاجة يجب أن يُنفق على الفقراء والمحتاجين. كما كان يُؤمن بأن المال العام يجب أن يكون ملكاً للأمة لا للحاكم، وهو ما يُقرّبه من مفهوم ثروة الحياة الذي نادى به الأستاذ أحمد ميشيل عفلق، حيث لا يكون الهدف مجرد توزيع الطعام، بل هو أداة لتحرير طاقات الإنسان واستثمارها. وأبو ذر لم يكن اشتراكياً بالمعنى المادي للكلمة، بل كان مثالاً للضمير الاقتصادي النبوي: يرفض أن يجوع جاره وهو شبعان، وينتقد توزيع الأموال على المقربين دون الفقراء، ويرفض الهدايا الخاصة إذا كانت عامة. وقد دفع ثمناً باهظاً لهذا الموقف، حيث قوبل بالنفي والتشريد، ومات وحيداً في الصحراء بعد أن مضت عليه ثلاثة أيام لم يطعم فيها طعاماً. ولم يكن أبو ذر يعارض الثراء في ذاته، بل كان يعارض أن يكون الثراء سبباً في حرمان الآخرين من فرصتهم في الحياة. وكما قال الأستاذ أحمد ميشيل عفلق: (إذا كنت أدعو إلى الاشتراكية، فلكيلا تحرم الحياة من مواهب هذه النفوس، وقواها الدفينة، وجهودها الحرة الخصبة). فأبو ذر، في موقفه، كان يدافع عن حق كل إنسان في أن تعاش مواهبه وقواه، لا عن مجرد توزيع الطعام.

الاقتصاد في فكر البعث: الاشتراكية العربية: هذه الرؤية الاقتصادية النبوية، التي يجسدها نموذج أبو ذر، هي التي وجدت طريقها إلى الفكر الاقتصادي القومي في القرن العشرين. فحزب البعث العربي الاشتراكي، وإن تأسس في سياق تاريخي مختلف، فإن مفاهيمه الاقتصادية تلتقي مع جوهر الرؤية النبوية في نقاط جوهرية؛ أولها الرفض القاطع للاقتصاد الريعي، والدعوة إلى اقتصاد منتج يقوم على العمل والتصنيع والزراعة، وهذا يتطابق مع رفض أبي ذر للثراء القائم على الاستغلال والوساطة ودعوته إلى العمل والكسب المشروع. وثانيها سيادة الدولة على الثروات الطبيعية، بحيث تعود عوائدها لتمويل التنمية وخدمة الشعب، لا لمصلحة النخب المحلية أو الشركات الأجنبية، وهذه الفكرة تجد أصلها في مفهوم الملكية العامة الذي أسسه النبي ﷺ في المدينة المنورة. وثالثها التكامل الاقتصادي العربي كمدخل للوحدة، وهو امتداد فكرة الأمة الواحدة التي أرساها النبي ﷺ في وثيقة المدينة، حيث جعل من التعاون الاقتصادي أساساً للوحدة السياسية. وتلتقي رؤية البعث الاقتصادية مع روح العدالة النبوية في رفضها للاقتصاد الريعي المستهلك، ودعوتها إلى اقتصاد منتج يقوم على العمل والتصنيع والزراعة. فهي، كما وصفها الأستاذ أحمد ميشيل عفلق، ليست مجرد واسطة لإشباع الجياع وإلباس العراة، بل هي وسيلة ليتحرر الإنسان من الضرورات الحيوانية وينصرف إلى القيام بوظيفته الإنسانية. فالاقتصاد، في هذه الرؤية، ليس غاية في ذاته، بل أداة لتحرير الإنسان من الحاجة، وتمكينه من أداء رسالته الحضارية.

خلاصة: إن ذكرى المولد النبوي الشريف ليست مجرد مناسبة للشعر والمديح، بل هي تذكير بأن الإسلام جاء ليقيم عدالة اقتصادية تقوم على رفض الاحتكار، ومكافحة الاستغلال، وتحقيق التكافل، وإقامة نظام مالي عادل. فكما أن أبا ذر كان صوتاً للضمير الاقتصادي في عصره، فإن المشروع القومي العربي اليوم مدعو لأن يكون صوتاً للعدالة الاقتصادية في عصره، بإقامة اقتصاد عربي منتج، قائم على العمل والعدالة والتكامل، بعيداً عن اقتصاد الريع والاستغلال والتبعية. والمولد النبوي الشريف، في هذا المعنى، هو دعوة لاستعادة روح الاقتصاد العادل، وترجمتها إلى سياسات تنموية تليق برسالة الإسلام، وتحقق العيش الكريم لكل إنسان في هذا الوطن. وهكذا، تلتقي عدالة أبي ذر واشتراكية البعث في رؤية واحدة: أن الاقتصاد يجب أن يخدم الإنسان، لا أن يسيطر عليه. وأن العدالة ليست مجرد توزيع للموارد، بل هي إتاحة الفرصة لكل إنسان ليعيش ثروة الحياة بكل أبعادها. كما قال الأستاذ أحمد ميشيل عفلق: إنها دين الحياة، وظفر الحياة على الموت. فالمولد النبوي الشريف، في هذا المعنى، هو دعوة لاستعادة هذه الروح، وترجمتها إلى سياسات تنموية تحقق العيش الكريم، وتطلق طاقات الإنسان، وتجعل من الحياة ثروة تعاش، لا مجرد موارد تُستهلك.

#ملف_الهدف_الاقتصادي #المولد_النبوي #الاقتصاد_الإسلامي #عدالة_أبي_ذر #الاشتراكية_العربية #الفكر_القومي #العدالة_الاجتماعية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.