صراع السواحل: الأبعاد الاقتصادية للتنافس الإقليمي على البحر الأحمر ومستقبل التجارة البينية

صحيفة الهدف

 عادل أحمد محمد

لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر مائي تعبره نحو 12% من حركة التجارة العالمية سنوياً، بل تحول إلى رقعة شطرنج جيواقتصادية بالغة التعقيد، تتقاطع فوقها مصالح القوى الكبرى مع طموحات أطراف إقليمية تسعى لبسط نفوذها اللوجستي والاستثماري على طول الشريط الساحلي الممتد من باب المندب جنوباً وحتى قناة السويس شمالاً.

تاريخياً، ركزت التحليلات على البعد الأمني والعسكري للممرات المائية، إلا أن الواقع المعاصر يفرض قراءة اقتصادية بحتة؛ فالسيطرة على الموانئ وعقد الإدارة والتشغيل للمحطات البحرية باتت أداة رئيسية لتوجيه سلاسل التوريد وفرض الرسوم وتحديد مسارات التصدير وإعادة التصدير. تسعى قوى إقليمية ودولية إلى الاستحواذ على حقوق تطوير وإدارة موانئ استراتيجية على طول السواحل الشرقية لإفريقيا وشبه الجزيرة العربية، مستهدفة تحويل موانئ بعينها إلى مراكز حصرية للخدمات اللوجستية، ومحاصرة موانئ أخرى وتحييد دورها التنافسي لضمان بقاء خطوط الملاحة تحت سيطرة شبكات تجارية محددة.

تنعكس حمى الاستحواذ على الموانئ بشكل مباشر على اقتصادات الدول المشاطئة متمثلة في التبعية اللوجستية واحتكار القرار التشغيلي؛ حيث يؤدي منح عقود إدارة طويلة الأجل دون ضمانات تنموية حقيقية إلى جعل الموانئ الوطنية خاضعة لحسابات الشركات المشغلة ومصالح دولها، مما قد يعطل تطوير أرصفة جديدة أو يرفع تكاليف الشحن والمناولة على المستوردين والمصدرين المحليين. كما يبرز التحدي في ربط الموانئ بالعمق الجغرافي، إذ إن الميناء الناجح لا ينفصل عن شبكات الطرق البرية وخطوط السكك الحديدية والموانئ الجافة التي تربطه بمناطق الإنتاج الزراعي والصناعي والتعديني في الداخل، بالإضافة إلى خدمة الدول غير الساحلية المجاورة، حيث يسعى التنافس الحالي للتحكم في هذه الشرايين لضمان تدفق ثروات الداخل الإفريقي عبر بوابات محددة.

وعلى الرغم من الشعارات المرفوعة حول التكامل الإقليمي، إلا أن الصراع على الموانئ أحدث اختلالات هيكلية في التجارة البينية تمثلت في رفع تكاليف التأمين والمخاطر السيادية؛ إذ أدت عسكرة الممر المائي وتعدد نقاط الاحتكاك إلى قفزات في أقساط التأمين البحري ورسوم الشحن، وهو ما يدفع ثمنه المستهلك النهائي ويزيد من عجز الموازين التجارية للدول النامية المطلة على الحوض. إضافة إلى ذلك، أدى التنافس إلى تفتيت التكتلات الاقتصادية وبناء موانئ بديلة ومسارات التفافية ترفع كلفة النقل وتضعف الجدوى الاقتصادية للتبادل التجاري المباشر، بدلاً من بناء استراتيجية تكاملية لخدمة حركة البضائع بين دول المنطقة مثل دول الكوميسا والقرن الإفريقي.

إن حماية السيادة الاقتصادية على الموانئ تتطلب مغادرة مربع الصفقات الفردية إلى بناء استراتيجيات تنموية متكاملة تقوم على تطوير البنية التحتية عبر عقود متوازنة والاستفادة من نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص مع الحفاظ على الملكية الوطنية التامة وإلزام المشغلين بنقل التقنية وتطوير الكوادر المحلية. كما تشمل المتطلبات الاستثمار في الساحل والمناطق الحرة لتحويل الموانئ من مجرد نقاط عبور وتفريغ إلى مراكز صناعية ولوجستية ذات قيمة مضافة تشمل التخزين والتبريد والمعالجة وإعادة التصدير، فضلاً عن تعزيز التكامل اللوجستي الإقليمي المستقل عبر الربط السككي والبري المشترك مع دول الجوار وتوحيد الإجراءات الجمركية لخفض زمن التخليص ومنح الموانئ ميزة تنافسية حقيقية.

توضيح:

  • الشراكة بين القطاعين العام والخاص (Public-Private Partnership – PPP) هي اتفاق تعاقدي طويل الأجل بين جهة حكومية وشركة أو تحالف شركات من القطاع الخاص.

  • الدول المشاطئة للبحر الأحمر هي جميع الدول التي تمتلك شريطاً ساحلياً يطل مباشرة على البحر الأحمر، مثل: السودان، مصر، السعودية، اليمن، إريتريا، الأردن، وجيبوتي.

#ملف_الهدف_الاقتصادي #البحر_الأحمر #التجارة_الدولية #الموانئ_البحرية #الاقتصاد_السوداني #التكامل_الإقليمي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.