طارق عبد اللطيف ابوعكرمة
في أديس أبابا (22-23 أغسطس 2026)، اجتمعت القوى المناهضة للحـ.ـرب. اختيار العاصمة الإثيوبية، التي استضافت حوارات سودانية سابقة، يؤكد أن الأزمة السودانية تجاوزت حدودها الداخلية، وأن حلها يحتاج إلى فضاء إقليمي جامع، يستمر في دور أديس أبابا التاريخي كجسر للحوار. أصدرت قوى سودانية مناهضة للحـ.ـرب وغير مصطفة مع أطراف النزاع وثيقة حملت عنوان (عملية السلام التي نريد). وفي قسمها الأول، خصصت الوثيقة مساحة مباشرة لتفسير رفضها لدعوة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى الحوار، مقدمةً جملة من الأسباب التي تتصل بمكان انعقاد الحوار، وطبيعة الجهة الداعية إليه، وشروطه السياسية، وعلاقته بوقف الحـ.ـرب والكارثة الإنسانية، فضلاً عن موقفها من عودة قوى النظام الإسلاموي إلى الحياة السياسية. ومن هنا تبدأ أهمية قراءة هذا الرفض لا باعتباره اعتراضاً على الحوار من حيث المبدأ، وإنما باعتباره اعتراضاً على طبيعة الحوار وشروطه والجهة التي تديره والغاية التي يمكن أن ينتهي إليها.
فالمفارقة التي تضعها الوثيقة أمام أعيننا هي: كيف يمكن للحوار أن يكون أداة للحـ.ـرب وليس وسيلة للسلام؟ وكيف يمكن لطرف في الصـ.ـراع أن يستخدم (الحوار) لتكريس التقسيم وإضفاء الشرعية على الاستبداد؟
أول ما تلفت إليه الوثيقة هو أن دعوة البرهان للحوار، والتي قد يتحول انعقاد الحوار حصراً داخل مناطق سيطرة طرف واحد من مجرد خيار تنظيمي إلى تكريس سياسي للانقسام الذي أفرزته الحـ.ـرب. فالوثيقة تقول بوضوح: (حين يُعقد حوار وطني حصراً داخل مناطق سيطرة طرف واحد من طرفي الحـ.ـرب، ويُدار تحت حمايته وضيافته، فإن أول ما يُقال بذلك، ولو لم يُصرَّح به، هو أن السودان لم يعد بلداً واحداً).
وهذه ليست مجرد حساسية شكلية تجاه مكان الانعقاد، بل هي مسألة جوهرية تتعلق بشرعية العملية السياسية ذاتها. فحين يقرر طرف حـ.ـرب أن يحاور (من داخل مناطق سيطرته)، ويستثني بذلك ملايين السودانيين الذين يقيمون أو يُشردون خارج مناطق سيطرته، فإنه يمنح شرعية سياسية لواقع التقسيم الميداني الذي أفرزه القـ.ـتال، ويحوّله من انقسام عسكري مؤقت قابل للعلاج إلى وضعية سياسية دائمة.
وهنا تبرز المفارقة الأعمق: الحوار الذي يُقدّم نفسه كحل للانقسام، يتحول إلى أداة لتكريسه. والسلام الذي يُروج له، يصبح غطاءً لشرعنة الحـ.ـرب. وهذا هو جوهر (الحوار التضليلي)، الذي ترفضه الوثيقة.
الوثيقة تذهب إلى أبعد من ذلك، حين تصف الحوار المعلن بأنه (ليس مبادرة محايدة، بل دعوة صادرة من طرف واحد من أطراف الحـ.ـرب، يتحكم بتوقيته ومكانه وشروطه وأجندته ولجنته التحضيرية، وبالتالي يتحكم في وجهته التي يرى). وهذا يعني أن الحوار، في شكله الحالي، ليس عملية سلام، بل استمرار للحـ.ـرب بوسائل أخرى.
فحوار يُدار من داخل مناطق سيطرة أحد المتحاربين، وتحت حماية طرف من أطراف الحـ.ـرب، وفي ظل سيطرته على المكان وشروط انعقاد الحوار، تظل قدرة المشاركين على التعبير الحر والمتكافئ موضع تساؤل جوهري. وإنه في أفضل الأحوال، عملية إضفاء شرعية على أمر واقع، وفي أسوأها، فخٌّ سياسي يُعدّ لإطالة أمد الحـ.ـرب وتكريس الانقسام.
وتنتقد الوثيقة بشدة فصل المسار السياسي عن وقف الحرب ومعالجة الكارثة الإنسانية، معتبرة أن (فصل المسار السياسي عن وقف الحرب ومعالجة الكارثة الإنسانية يُفرغ أي عملية سياسية من جدواها وهدفها النهائي الذي يجب أن يكون وقف وإنهاء الحـ.ـرب). فكيف يمكن الحديث عن مستقبل سياسي للبلاد، بينما المدافع لا تزال تدوي، والمسيرات تقصف، والمجاعة تفتك بالأطفال، والنزوح لم يتوقف؟ وهذا الفصل بين السياسة والإنسانية ليس مجرد خطأ منهجي، بل هو انعكاس لمنطق الحـ.ـرب نفسه، الذي يرى في معاناة الناس ورقة ضغط، وفي الكارثة الإنسانية أداة تفاوض. فالسلام الحقيقي، كما تؤكد الوثيقة، لا يمكن أن ينفصل عن وقف الحـ.ـرب، كما لا يمكن أن يتجاهل معاناة الناس.
ويؤكد مبدأ (الملكية السودانية للحلول)، الذي تطرحه الوثيقة كشرط أساسي لأي عملية سلام، على رفض الوصاية الخارجية، وعلى أن الحلول لا يمكن أن تُفرض من الخارج، بل يجب أن تنبع من إرادة السودانيين أنفسهم. وهذا المبدأ يعكس وعياً تاريخياً لدى القوى المناهضة للحـ.ـرب، يدرك أن التسويات المفروضة من الخارج غالباً ما تكون هشة، لأنها لا تعبر عن توافقات داخلية، ولا تستند إلى إرادة شعبية حقيقية. وهو أيضاً نقد ضمني للممارسات الدولية التي حاولت، في مراحل سابقة، فرض حلول على السودان دون مراعاة خصوصيته وتعقيداته.
ومن أكثر ما تلفت إليه الوثيقة، وأكثر ما يحمل دلالة سياسية عميقة، هو تشديدها على أن (أي عملية ذات مصداقية يجب أن تقود لإبعاد المؤتمر الوطني المحلول وحركته الإسلامية وواجهاتهما من المسرح السياسي كلياً وحل ميليشياتهم المسلحة). فهذه القوى، كما تؤكد الوثيقة، (قد أسقطتها ثورة ديسمبر، وهي من أشعلت هذه الحرب واستفادت من استمرارها). وهذا الشرط ليس مجرد موقف سياسي، بل هو قراءة تاريخية للصــراع، ترى أن النظام البائد ليس مجرد طرف في الصـ.ـراع الحالي، بل هو الجذر الذي أنتج الحـ.ـرب، والظل الذي يطارد أي محاولة للسلام. فمكافأة هذه القوى سياسياً، أو فتح الباب أمام تكرار تجربة (حوار وثبة البشير)، يعني إعادة إنتاج شروط الأزمة، لا تجاوزها.
وتشير الوثيقة إلى إن (الحراك المدني والنقابي المتصاعد في داخل البلاد)، كقوة ضغط من أجل السلام. وهذا الحراك، كما تؤكد الوثيقة، يمثل الأمل الحقيقي في تغيير مسار الأحداث، لأن السلام ليس منّة تُمنح من أعلى، بل هو حق يُنتزع بضغط شعبي متواصل. فالمجتمع المدني والنقابات والشباب والنساء، كلهم يشكلون قوة دافعة نحو السلام، قادرة على كسر منطق الحـ.ـرب، وفرض إرادتها على الأطراف المتحاربة، إذا ما توحدت وتحدثت بصوت واحد.
مع بقاء الخلاف قائماً حول موقع القوى التي تعتبرها الوثيقة جزءاً من بنية النظام السابق والحـ.ـرب. ومن هنا يصبح السؤال الذي تطرحه الوثيقة أكثر تحديداً من مجرد: هل نتحاور أم لا؟ إنه: أي حوار؟ ومن يديره؟ وتحت أي شروط؟ ولأي غاية؟ وهل يمكن لحوار يولد في ظل الحـ.ـرب أن يكون مدخلاً حقيقياً إلى إنهائها؟
بهذا المعنى، فإن رفض الدعوة لا يمثل رفضاً لفكرة الحوار، بقدر ما يمثل رفضاً لحوار لا تتوافر فيه، وفق قراءة الموقعين، شروط الندية والاستقلال والتمثيل الوطني والارتباط المباشر بإنهاء الحـ.ـرب. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يبدأ منها النقاش حول (عملية السلام التي نريد): ليس من سؤال من يجلس إلى الطاولة فقط، وإنما من سؤال أي طاولة، وأي شروط، وأي سلام.
غير أن السؤال عن أي حوار، ومن يديره، وتحت أي شروط، يقودنا إلى سؤال أعمق: ما هي الغاية من الحوار ذاته؟ ليست الغاية مجرد وقف الحـ.ـرب، مهما كانت هذه الغاية نبيلة وضرورية. فالغاية الأسمى تتعدى ذلك إلى تحقيق الشخصية الوطنية السودانية في أبعادها الحضارية، واستعادة إرادة المواطن وطموحه في بناء دولته.
فالحـ.ـرب لم تسلب السودانيين أرواحهم وبيوتهم فحسب؛ بل سلبَتْهم، في كثير من الأحيان، قدرتهم على التصور والطموح. وما لم يُعد الحوار إلى المواطن صلته بذاته ووطنه ومستقبله، فإنه يظل مجرد ترتيبات إدارية لإدارة الصـ.ـراع، لا مشروعاً وطنياً لصناعة المستقبل.
من هنا، ينبغي النظر إلى الحوار بهذا الوعي العميق، الذي يحرره من الارتباط المباشر بالمـ.ـتقاتلين ومن السلطة القائمة ومن هم خلفها من قوى إقليمية ودولية. فالحوار، في جوهره، ليس وسيلة لتوزيع المناصب بين الأطراف المـ.ـتحاربة، ولا أداة لإضفاء الشرعية على أمر واقع فرضته المدافع، بل هو فضاء لتجسيد إرادة المواطن السوداني في تقرير مصيره.
وهذا يعني أن مخرجات الحوار يجب أن تعبر عن مصلحة الوطن والمواطن، وأن تستند إلى إرادته الحرة، لا إلى توازنات القوى العسكرية، ولا إلى حسابات الأطراف الإقليمية والدولية. فالتحرر من الإقليم والإرادات الدولية ليس شعاراً، بل هو شرط أساسي لسلام عادل ومستدام. ومن هنا، فإن من يجلس على طاولة الحوار، أياً كان انتماؤه، عليه أن يفهم هذه الغاية ويلتزم بها. فالحوار ليس مجرد عملية تفاوضية، بل هو التزام وطني، وعهد أخلاقي، ومسؤولية تاريخية تجاه شعب عانى ما لا يطاق.
والخروج بهذه الوثيقة، وتقديمها إلى الشعب السوداني، وإلى الإقليم، والمجتمع الدولي، يمثل مانعاً من الانزلاق في مخطط الآخر، مهما كان عنوانه. فهي تضع الجميع أمام مسؤولياتهم، وتجعل كل طرف مضطراً إلى الاصطفاف معها أو ضدها، مما يكشف النوايا الحقيقية للأطراف المختلفة.
وهذا يشكل نقلة نوعية في الحراك السياسي السوداني. فالقوى المناهضة للحـ.ـرب لم تعد في موقع المتلقي للمبادرات، بل أصبحت في موقع المُمسِك بالمبادرة، وجعلت كل الآخرين في موقع المتلقي، الملزم بالتعامل مع موقف الشعب وقواه المدنية. وهذه هي أعظم نقلة تمت منذ اشتعال الحـ.ـرب: الامساك بالمبادرة، ومغادرة موقع المتلقي لمخطط الآخر، ومبادرته التي، مهما تكن، ستظل محكومة بمصالحه. فالمبادرة، إذا هي انتقلت إلى أيدي القوى المدنية المناهضة للحـ.ـرب، تصبح أداة لإرادة الشعب، لا أداة لتسويات النخب. وتصبح الحوارات، بدلاً من أن تكون ساحة للتنازلات، فضاء لتحقيق الطموحات الوطنية. وتصبح الغاية، بدلاً من أن تكون إدارة الصراع، صناعة المستقبل.
في النهاية، لا تبدو مشكلة الوثيقة مع الحوار بوصفه مبدأً سياسياً، وإنما مع حوار ترى أنه يفقد شروطه الأساسية حين يُعقد تحت سيطرة طرف من أطراف الحـ.ـرب، وفي مناطق نفوذه، وبشروط يتحكم هو في تحديدها، بينما يجري فصل المسار السياسي عن وقف الحـ.ـرب ومعالجة الكارثة الإنسانية، ففي الوقت الذي يتحدث فيه البعض عن الحوار والمستقبل السياسي، يعيش ملايين السودانيين مأساة إنسانية لا توصف. فالحـ.ـرب، كما تصفها الوثيقة، جعلت السودان (أرضاً تـ.ـنزف بصمت أمام العالم)، حيث تجهمت وجوه النساء والرجال من هول ما فقدوه من أرواح، وتحول الجوع إلى سلاح يفتك بالأطفال يوماً بعد يوم، وفترت الحياة في المدن والأرياف وسكنتها الأشباح، وتحولت رحلة اللجوء والنزوح إلى قدر يومي لملايين لم يعرفوا من الحـ.ـرب إلا فقدان الأهل والدار والذاكرة. وهذا الوصف، رغم قسوته، يعكس حجم المأساة التي يجب أن تكون محور أي نقاش جاد حول السلام.
يتبع لطفاً

Leave a Reply