تأثير الخطاب السياسي الساخر والإقصائي، وكيف تتشكل أساليب السجال السياسي بين القوى المختلفة في السودان (​تحليل من منظور العلوم السياسية والاجتماعية):

صحيفة الهدف

د جمال الجاك                                          

يقدم السجال السياسي في السودان نموذجاً مركباً للتفاعل بين الثقافة المجتمعية، والبنية التنظيمية للأحزاب، والتحولات التاريخية للتشكيلات الاجتماعية والسياسية. لا يقتصر الخطاب الساخر والإقصائي على كون أسلوباً بلاغياً أو مهارة فردية لدى بعض القيادات، بل هو أداة سلطوية واستراتيجية اتصالية تُصاغ لخدمة أهداف التعبئة، والشرعنة، وإعادة إنتاج علاقات القوة.

​أولاً: البعد السياسي والهيكلي (هندسة الخطاب واستراتيجيات الهيمنة)

​من منظور علم الاجتماع السياسي، يُفهم الخطاب السياسي كـ ممارسة سلطوية (Discursive Practice) تهدف إلى التحكم في الفضاء العام وتحديد أطر الرؤية والتركيب المعرفي للجمهور.

​بناء الصورة الذهنية وتقويض الشرعية:

تُستخدم السخرية والتهكم السياسي لاستبدال النقاش البرامجي والفكري المعقد ببروباغندا مكثفة ذات حمولة عاطفية عالية. كشف أسلوب السخرية السياسية عن قدرته على “تجريد الخصم من الأهلية السياسية والأخلاقية” (De-legitimization)، حيث يُصار إلى اختزال الرؤى السياسية المنافسة في صور نمطية متهالكة. هذا التكتيك لا يهدف إلى إقناع الخصم أو محاورته، بل إلى إرباكه وتجريده من المصداقية أمام القواعد الجماهيرية، وإظهار الطرف المهاجِم بمظهر “المالك للقيم والأفضلية الفكرية”.

​إرث التيارات العقائدية والاستقطاب التاريخي:

شهدت الحركة الإسلامية السودانية، تاريخاً طويلاً من السجالات التي اتسمت بالحدة والقطعية المعرفية. ويعود ذلك إلى طبيعة التنظيم المغلق أو العقائدي الذي يقوم على حتمية الصواب وصنع حد فاصل بين “الأنا التنظيمية” و”الآخر الخصم”.

​في هذا السياق، تبنى عدد من القيادات الفكرية والسياسية (مثل د. أمين حسن عمر في التيار الإسلامي) أسلوباً يعتمد على الجزالة اللغوية المقترنة بالتوبيخ والإقصاء الفكري، محاكاةً لأدبيات الرموز التاريخية للمفكرين والقادة السياسيين العظام (مثل د. حسن الترابي أو القيادات التاريخية للاحزاب العقائدية). تعكس هذه المحاكاة رغبة في استدعاء الهيبة التنظيمية وإظهار الثبات الأيديولوجي في أوقات الأزمات والتحولات، مما يحول الخطاب إلى درع حماية للبنية الداخلية للتنظيم.

​استخدام “الاستعلاء الفكري” كاستراتيجية بقاء:

في حالات الانحسار السياسي أو العزلة الشعبية، يلتجئ الفاعلون إلى التخندق خلف خطاب مستعلٍ يقلل من حجم التحولات المجتمعية. يعمل هذا الخطاب على تحويل النقد الموجه للتنظيم إلى “جهل من الخصوم” أو “مؤامرة”، مما يحمي القواعد التنظيمية من الصدمات المعرفية ويحافظ على التماسك الداخلي.

​ثانياً: البعد الاجتماعي والتنشئة (إعادة إنتاج الانقسام المجتمعي)

​يتشابك الخطاب السياسي الساخر مع البنية الاجتماعية للسودان، حيث ينعكس الهيكل الاجتماعي المتنوع والمنقسم في أنماط التواصل السياسي.

​التنشئة التنظيمية والثقافة الحزبية المغلقة:

تعتمد أغلب التنظيمات السياسية السودانية على آليات تنشئة سيكولوجية وأيديولوجية قائمة على مبدأ “الولاء المادي والمعنوي المطلق”. يُكافأ العضو داخل التنظيم بناءً على قدرته على حماية الخط الحزبي ومهاجمة الخصوم، وتصبح “الحدة الشفهية” معياراً للشجاعة السياسية والتميز الفكري. هذه البيئة تفرض على السياسي الناشئ تبني الخطاب الدفاعي والتنافسي كشكل من أشكال الرأس المال السياسي داخل الجماعة.

​من الشخصنة إلى التفتيت المجتمعي:

يؤدي غياب المؤسسية والحوار البرامجي إلى نقل النقاش السياسي من دائرة القضايا الوطنية والمؤسسية إلى دائرة الشخصنة والتلاوم. عندما يتحول الخلاف السياسي من نقد السياسات إلى مهاجمة الذوات والأصول والتوجهات الشخصية، يسري هذا السلوك إلى الفضاء العام المفتوح (الشارع، منصات التواصل الاجتماعي)، مما يرفع مستويات الاحتقان الاجتماعي.

​تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والأقاليم:

تسببت الطفرة الاتصالية الحديثة في تضخيم الخطاب الإقصائي، حيث تُحبذ خوارزميات المنصات Digital Platforms الخطابات الحادة والساخرة لأنها تحقق تفاعلاً أعلى (Engagement). أدى ذلك إلى تحول السجال السياسي إلى “استعراض مسرحي” (Political Performance) يسعى لحشد التأييد السريع والعاطفي بدلاً من بناء التوافقات العاطفية والمستدامة.

​ثالثاً: البعد النفسي والتحليلي للخطاب الحاد:

​تتيح الأدوات السيكولوجية والتحليلية تفكيك دوافع وميكانيزمات الفاعلين السياسيين عند اللجوء إلى التهديد والتسفيه:                أثرها المباشر في تغذية النزاع المسلح.                            وصم كل صوت ينادي بالحوار أو وقف الحرب بالعمالة أو الضعف، مما يفرغ المجال العام من القوى الوسيطة.                       استخدام السخرية والتسفيخ اللفظي ضد الاتفاقيات والتوافقات الوطنية يجعل التنازل السلمي يبدو كأنه “هزيمة ونقص في الهيبة”.             عندما يتجرد الخطاب من المنطق الفكري والاعتراف بالآخر، يسود الانطباع بأن أدوات السياسة المدنية عاجزة، وأن البندقية هي الوسيلة الوحيدة لنيل الاعتراف والمكتسبات.             تثبت هذه الشواهد التاريخية أن الخطاب السياسـي الإقصائي لم يكن مجرد انعكاس للح.رب، بل كان محركاً رئيسياً ومُستداماً لها؛ إذ عمل على تخريب البنية الأخلاقية واللغوية للتعايش، وجعل العنف الفيزيائي الخيار الأسهل والأكثر قبولاً لدى الأطراف المتصارعة.                                             ما هي الآليات والاستراتيجيات العملية لتحويل الخطاب السياسي في السودان من الشحن والإقصاء إلى بناء السلام والتوافق؟                          يتطلب الانتقال بالخطاب السياسي في السودان من مربع الشحن والإقصاء إلى مربع بناء السلام والتوافق استراتيجية متكاملة تتجاوز النوايا الحسنة إلى مأسسة القواعد وتنفيذ إصلاحات بنيوية على مستويات التشريع، والسياسة، والإعلام، والتعليم.

​1. الإصلاح المؤسسي والتشريعي (ضبط الفضاء العام):

​لا يمكن ضبط الخطاب السياسي دون وجود إطار قانوني ومؤسسي يحمي التعددية ويجرم خطابات التحريض.

​تعديل وتطبيق قوانين مناهضة خطاب الكراه.ية: سن تشريعات حازمة ومستقلة تجرّم التمييز، والتحريض العرقي والجهوي، والتكفير السياسي، مع تعريفات دقيقة لا تُستغل لقمع حرية التعبير المشروعة.

​ميثاق شرف سياسي مُلزم: صياغة وثيقة أخلاقية وتعهّد وطني تُوقع عليه القوى السياسية والحركات المسلحة، يتضمن بنداً صريحاً بنبذ لغة التشويه والتخوين والتسفيخ، واعتماد لغة البرامج والحلول البديلة.

​تأسيس مفوضية مستقلة للتعددية والسلام: هيئة مراقبة مستقلة تُعنى برصد الخطابات العامة في الإعلام والمنصات السياسية، وإصدار تقارير دورية تبيّن الخروقات وتوصي بمساءلة الفاعلين.

​2. إعادة هيكلة الخطاب الحزبي والتنشئة التنظيمية:

​تتحمل الأحزاب والتنظيمات السياسية المسؤولية المباشرة عن إنتاج وإعادة إنتاج الخطاب الإقصائي.

​تجديد القيادات وآليات التواصل: الانتقال من نموذج القيادة الكاريزمية العقائدية إلى القيادات البرامجية والشبابية الأكثر ميلاً لبناء التوافقات والتواصل العقلاني.

​إصلاح أدبيات التنشئة الحزبية: مراجعة المناهج واللوائح الداخلية للأحزاب لتضمين مفاهيم الحوار الديمقراطي، والقبول بالآخر، والمواطنة المتساوية، والابتعاد عن مفاهيم “نحن ضد هم”.

​التدريب على مهارات “الاتصال الديمقراطي”: ورش عمل وإعادة تأهيل للناطقين الرسميين والكوادر الإعلامية للأحزاب للتركيز على نقد السياسات والخطط بدلاً من الشأن الشخصي والأصول العرقية أو الفكرية للخصوم.

​3. تنظيم الإعلام والمنصات الرقمية:

​يُشكل الإعلام والمنصات الحديثة حقل التماس الأبرز لتضخيم الخطابات الحادة.          تنظيم الإعلام والمنصات الرقمية

​يُشكل الإعلام والمنصات الحديثة حقل التماس الأبرز لتضخيم الخطابات الحادة.                    الاستراتيجية العملية:

• اعتماد صحافة بناء السلام (Peace Journalism) وتدريب الصحفيين والإعلاميين على تجنب المفردات التحريضية والصور النمطية أثناء تغطية الصراعات.

• التعاون مع شركات التواصل الاجتماعي للحد من انتشار “جيوش الحسابات الإليكترونية” (Bots) والمحتوى الموجه لتعميق الانقسام المجتمعي.

• دعم المنصات والمبادرات الإعلامية المستقلة التي تقدم معالجات تحليلية موضوعية وتسلّط الضوء على نماذج التعايش والتوافق المحلي.          4. التنشئة المجتمعية وبناء الذاكرة الوطنية الجامعة:

​تحويل الخطاب يستلزم العمل على المدى المتوسط والطويل للتأثير في الثقافة العامة.

​تطوير المناهج التعليمية: إعادة كتابة مناهج التاريخ والتربية الوطنية لإبراز التنوع الثقافي كعنصر قوة، والتعريف بتاريخ السودان بعيداً عن أيديولوجية المركز الأحادية.

​دور الإدارة الأهلية والمجتمع المدني: إشراك القيادات المجتمعية والدينية والرموز الثقافية في قوافل وورش عمل عابرة للولايات لتفكيك الصور النمطية المتبادلة وبناء ثقة مجتمعية.

​تشجيع أدبيات العدالة الانتقالية: الحوار المفتوح حول مظالم الماضي عبر جلسات الاستماع العامة والمكاشفة الوطنية، مما يمتص الاحتقان والتراكمات النفسية التي تُغذي الخطاب الانتقامي.

​تتكامل هذه الاستراتيجيات لتشكل بيئة سياسية تُكافئ الخطاب العقلاني والتوافقي وتفرض كلفة سياسية واجتماعية وقانونية عالية على الخطابات الإقصائية والساخرة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.